الغنيمة الباردة، قيام ليل الشتاء وصيام نهاره


نسخة (PDF)نسخة (PDF)
التصنيفات
القسم: 
القسم: 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعد

ثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الغنيمة الباردة؛ الصوم في الشتاء) رواه أحمد والترمذي وحسنه الألباني بمجموع طرقه.


أيها الأحبة: 

إن فصل الشتاء يُعرفُ بطول ليله، وقصِر نهاره، وفي ذلك غنيمة عظيمة للمسلم، وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها "غنيمة باردة" لأنها حصلت له بغير قتال ولا تعب ولا مشقة، فيغتم طول ليله بصلاة القيام والاستغفار، ويغتنم قِصرَ نهاره بالصيام.

وقد كان سلف هذه الأمة رحمهم الله تعالى يسبشرون بقدوم الشتاء لأجل ذلك، قال ابن مسعود رضي الله عنه: "مرحبا بالشتاء، تنزل فيه البركة، ويطول فيه الليل للقيام، ويقصر فيه النهار للصيام"

وقال الحسن البصري رحمه الله: "ونِعم زمان المؤمن الشتاء؛ ليله طويلٌ يقومه، ونهاره قصير يصومه"

قال ابن رجب رحمه الله تعالى بعد أن ساق هذه الآثار: "قيام ليل الشتاء يَعدل صيام نهار الصيف، ولهذا بكى معاذ عند موته، وقال: إنما أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ومزاحمة العلماء بالركب عند حِلَق الذكر" ا.هـ [لطائف المعارف لابن رجب].

أيها الإخوة:

إنّ قيامَ الليل عبادة عظيمةٌ، وعمَلٌ جليل، دأبَ عليه الصالحون من هذه الأمة، ولزم القيام به الصادقون من أهل هذه الملة، وقد أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم، وحث عليه ببيان ما له من فوائد وعوائد حميدة، فعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  أنه قال: "عليكم بقيام الليل، فإنه دَأَبُ الصالحين قبلكم، وقُربة إلى الله تعالى، ومنهاةٌ عن الإثم، وتكفيرٌ للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد" رواه الترمذي. 

وقيام الليل من أفضل الصلوات بعد الصلاة المفروضة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: "أفضل الصلاة بعد الصلاة المفروضة صلاة الليل" رواه مسلم.

وقد مدَح الله عبادَه المؤمنين، فذكر من أخلاقهم الحميدةِ التي نالوا بها بفضل الله جنّاتِ النعيم؛ أنهم كانوا يقومون الليل فقال: ﴿إنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ءاخِذِينَ مَا ءاتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُواْ قَلِيلاً مّن الَّليْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 15-18]. فوصَفَهم الله تعالى بأنّهم قليلاً ما ينامون لإحياء ليلهم بالصلاة، ويختِمون ليلهم بالاستغفار عمّا قدّموا وأساؤوا.

وقال جلّ جلاله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:16، 17]، لشدة خوفهم من الله عز وجل؛ تَنَحّت جنوبهم عن مضاجع نومهم، وتوجهوا إلى الله عز وجل في ظلمة الليل سراَ فيما بينهم وبينه بالصلاة والمناجة خوفاً من عذابه، وطمعاً في ثوابه، فأعطاهم الله ذلك الثوابَ العظيم، ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.

وصلاة الليل عمل داوم عليه نبينا  صلى الله عليه وسلم ، وكان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فإذا سُئل عن ذلك، وقد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبداً شكوراً".

وهو عملٌ يُدخل الجنة، فقد ثبت من حديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه، أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: "أيّها الناس، أطعِموا الطعام، وأفشوا السلام، وصِلوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنّةَ بسلام" رواه الترمذي.

أما الصوم أيها الأكارم:

فلعظيم منزلته عند الله عز وجل؛ نجد أنه تبارك وتعالى أخفى أجره عن عباده، وأسند ذلك إليه سبحانه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) متفق عليه، وعند ابن ماجه: (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، يَقُولُ اللَّهُ: إِلَّا الصَّوْمَ؛ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ).

وهو حاجز وساتر للعبد عن النار، قال صلى الله عليه وسلم: (الصيام جُنـة يستجن بها العبد من النار) رواه أحمد.

وهو طريق إلى الجنة، فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: (قلت: يا رسول الله، دلني على عمل أدخل به الجنة ؟ قال: عليك بالصوم فإنــه لا مِثل له) رواه النسائي.

تنبيه: ينبغي لمن كان عليه قضاء من رمضان أن يبادر إلى القضاء لاسيما في فصل الشتاء نظراً لقصر النهار مع برودته فلا يكاد الصائم يشعر بتعب أو إرهاق، فبعض الناس يؤخر ما عليه من قضاء حتى يفوته القضاء ويدخل عليه رمضان آخر.

ختاماً أيها القارئ الكريم:

علينا أن لا نغتر بالدنيا، فإن صحيحَها يسقَم، وجديدَها يبلى، ونعيمَها يفنى. الآجال منقوصة، والأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة، فمن زرع خيراً فيوشك أن يحصد ثوابه وأجره، ومن زرع شراً فيوشك أن يحصد ندامة وحسرة، ولكل زارع ما زرع.

قيل لبعض السلف: ما أعظم المصائب عندكم؟ فقال: أن تقدر على المعروف ولا تصطنعه حتى يفوت.

قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ في هذا المعنى:

   إذَا هَبَّتْ رِيَاحُــــــــــك فَاغْتَنِمْهَا

***

  فَــإِنَّ لِكُـــــــــلِّ خَافِقَـــــــةٍ سُكُـــــــــــــــــــــــــونُ
 وَلَا تَغْفُلْ عَنْ الْإِحْسَانِ فِيهَا

***

  فَمَا تَدْرِي السُّكُونُ مَتَى يَكُونُ
   وَإِنْ دَرَّتْ نِيَاقُـــــــــــــــــك فَاحْتَلِبْهَا

***

  فَمَا تَدْرِي الْفَصِيلُ لِمَنْ يَكُونُ

 

فأسأل الله تعالى أن يعمر أوقاتنا بطاعته وذكره وشكره وحسن عبادته.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين