أحكـام القنـوت

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله  وبعد،،

مقدمــة :

فهذا بحث موجز يتعلق بأحكام القنوت المشروع بأنواعه وهي قنوت النوازل ، وقنوت الوتر، وقنوت رمضان ، أدلة مشروعيتها ومواضعها وصيغ الدعاء فيها ، وحكم الجهر بها والتأمين ورفع الأيدي ومسحها بالوجه بعد الدعاء والصلاة على النبي بعدها ، وغير ذلك ، ثم ذكر مدى مشروعية قنوت الفجر ، ثم ذكر بعض ما أحدثه الناس في القنوت .

أما تعريف القنوت لغة : فيطلق على عدة معاني منها :

القنوت بمعنى الطاعة : قال الله تعالى ( والقانتين والقانتات ) أي المطيعين والمطيعات .

*القنوت بمعنى السكوت : قال الله تعالى ( وقوموا لله قانتين ) البقرة (238)

*القنوت بمعنى الدعاء:لأن حقيقة القنوت والعبادة الدعاء لله عز وجل،ومن ذلك قنوت الوتر والنوازل.

*القنوت بمعنى القيام : لحديث جابر قال :"" سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت ، "" رواه مسلم (756) وغيره .

*القنوت بمعنى الصلاة : لحديث (مثل المجاهد في سبيل الله كمثل القانت الصائم أي المصلي) ، رواه البخاري ومسلم (1878) وغير ذلك من معاني القنوت في اللغة

وأما تعريف القنوت في الاصطلاح : فهو الدعاء في القيام في الركعة الأخيرة من الصلاة ، وهذا هو الأظهر في معنى القنوت وهو موضوع بحثنا .

والقنوت مشروع في النوازل وفي صلاة الوتر وفي قيام رمضان ، أما مشروعيته في النوازل : فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أنسٍ رضي الله عنه قال : "" بعث النبي صلى الله عليه وسلم سبعين رجلاً لحاجة يُقال لهم القّراء ، فعرض لهم حيان من سليم : رعل وذكوان ، عند بئر يقال لها بئر معونة ، فقتلوهم  فدعا النبي صلى الله عليه وسلم شهراً في صلاة الغداة ، وذلك بدء القنوت ""

وأما مشروعيته في صلاة الوتر ، فقد روى أحمد وأصحاب السنن عن الحسن بن علي قال : علمني رسول الله كلمات أقولهن في قنوت الوتر ( اللهم اهدنا فيمن هديت الخ ) صحيح سنن أبي داود (1425)

وأما مشروعيته في رمضان في النصف الثاني منه فقد ثبت عن بعض الصحابة كعمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وأبّي بن كعب وغيرهم كما سيأتي أثناء البحث .

وأما قنوت الفجر : فالراجح عدم مشروعيته لعدم وجود دليل صريح صحيح في شرعيته ، بل أنكره بعض الصحابة ولم يفعله أحد منهم، كما أنكره جمهور العلماء كما سيأتي. وهذه أنواع القنوت وأحكامها :

1- قنوت النوازل ( الحاجة ) :

أ - مشروعيته : للعلماء قولان في قنوت النوازل : والجمهور قالوا : يُشرع القنوت للنازلة مطلقاً أي في جميع الصلوات إلا الحنفية قصروه على الصلوات الجهرية فقط ، وسيأتي أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت في الصلوات الخمس كلها . وقال بعض الكوفيين والليث بن سعد وغيرهم بنسخ قنوت النوازل . والجواب عليهم بأنه لو كان منسوخاً ما فعله الصحابة والتابعون ، قال الإمام النووي رحمه الله ( الصحيح المشهور أنه إن نزلت بالمسلمين نازلة كعدو وقحط ووباء وعطش وضرر ظاهر في المسلمين ونحو ذلك ، قنتوا في جميع الصلوات المكتوبة وإلا فلا ) وعُقد باباً في شرح مسلم قال : باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة ـ شرح مسلم (5/176)

ب - فوائد قنوت النوازل :

1- فيه تطبيق لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وقضاء على البدع المحدثة .

2- فيه اهتمام بأمر المسلمين ورغبة في حل مشاكلهم وفرح لفرحهم وغضب لغضبهم .

3- فيه تعريف للمسلمين بأحوال إخوانهم في كل مكان .

4- فيه براءة لنا أمام الله إذا سألنا يوم القيامة ماذا صنعتم لإخوانكم .

5- فيه عبادة الدعاء خاصة في الصلاة ، وفي الحديث الصحيح ( إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها ، بصلاتهم ودعوتهم وإخلاصهم ) رواه النسائي وهو في صحيح الجامع (2388)

ج محل قنوت النوازل : وردت أحاديث في القنوت تفيد الدعاء بعد الركوع وبعضها تفيد الدعاء قبل الركوع ولذلك اختلف العلماء على ثلاثة أقوال ، منهم من قال أنه بعد الركوع ومنهم قال قبل الركوع ومنهم من قال جواز الأمرين ، والراجح هو أن موضع قنوت النوازل هو بعد الركوع وهو قول جمهور المحققين لما يلي :

1- حديث أنس في صحيح البخاري (4094) قال : ( قنت النبي صلى الله عليه وسلم بعد الركوع شهرا يدعو على رعل وزكوان )

2- حديث ابن عمر (أنه سمع النبي إذا رفع رأسه من الركوع ) البخاري (4559)

3- حديث أبي هريرة (أن رسول الله إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع) متفق عليه

  4- قال البيهقي في سننه ( 2/208 ) ( ورواةُ القنوت بعد الركوع أكثرُ وأحفظُ فهو أولى )      

5- قال ابن حجر في فتح الباري ( 2/569) ( ومجموع ما جاء عن أنس في ذلك أن القنوت للإجابة بعد الركوع لا خلاف عنه في ذلك ، وأما لغير الحاجة ( النازلة ) فالصحيح عنه أنه قبل الركوع )

* والخلاصة أن محل قنوت النوازل بعد الركوع وما ورد خلاف ذلك فإنه يحمل على القنوت بمعنى طول القيام لحديث ( أفضل الصلاة طول القنوت ) رواه مسلم (756)

د- مدة قنوت النوازل : يُشرع القنوت مدة النازلة إن كانت ذات وقت وإن نزلت فجأة ثم أقلعت فيشرع لأيام بعدها والسنة في ذلك شهر لقنوت النبي صلى الله عليه وسلم شهراً يدعو على رعل وذكوان ، وإن كانت النازلة مستمرة استمر في القنوت إلى أن تقلع لما في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (اللهم نج الوليد بن الوليد ، اللهم نجِّ المستضعفين من المؤمنين ) قال أبو هريرة ( ثم رأيت رسول الله ترك الدعاء بعدُ ، فقيل ( وما تراهم قد قدموا ) فقد قنت رسول الله حتى فرّج الله همّ المسلمين فقدم منهم إلى مكة الكثير) . قال ابن القيّم في الزاد ( 1/272) ( إنما قنت عند النوازل للدعاء لقوم و للدعاء على آخرين ثم تركه لما قدم من دعا لهم وتخلصوا من الأسر ، وأسلم من دعا عليهم فكان قنوته لعارض ، فلما زال ترك القنوت )

هـ- حكم الجهر به والتأمين ورفع الأيدي ومسح الوجه بعد الدعاء والصلاة على النبي فيه :

* أما الجهر به فقد اتفق العلماء على الجهر في قنوت النازلة في الصلوات الخمس لما ورد من الأحاديث وكذلك ليسمع الناس ويؤمنون على دعاء الإمام .

* وأما التأمين فيستحب للمأمومين أن يؤمنوا على دعاء الإمام في قنوت النازلة لما رواه ابن عباس قال: ( قنت رسول الله شهراً متتابعا ويؤمن مَنْ خلفه ) والحديث رواه أبو داود وأحمد والحاكم وهو في صحيح سنن أبي داود (1443) . قال النووي في المجموع ( 1/790) ( يؤمّن المأموم عند الدعاء ويشارك أو يسكت عند الثناء ، والمشاركة أولَى لأنه ثناءٌ لا يليق فيه التأمين ) . وقال المطيعي في هامش المجموع ( ومن البدع التي لم نجد لها أصلاً قول المأمومين عند عبارات الثناء ( حقاً ) وقولهم عند تباركت ربنا وتعاليت ( يا الله ) )

* وأما رفع اليدين للإمام فقد ثبت في غير حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في الدعاء مطلقاً ومنها حديث أنس في قصة قتل القراء السبعين وفي إحدى رواياته ( فلقد رأيت رسول الله في صلاة الغداة رفع يديه فدعا عليهم ) وذكر البيهقى أثاراً عن الصحابة في رفع اليدين منهم عمر ـ سنن البيهقي (2/212) وكذلك النووي في المجموع (3/511) نقلاً عن البخاري في جزء رفع اليدين وصححها . ويرفع المأمومون أيديهم اقتداء بالإمام لحديث ( إنما جعل الإمام ليؤتم به ) البخاري .

* وأما مسح الوجه بعد دعاء القنوت مطلقاً : فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة ولا في خارجها . قال البيهقي في سننه (1/212) ( فأما مسح اليدين بالوجه عند الفراغ من الدعاء فلست أحفظه عن أحدٍ من السلف ) وقال النووي في المجموع (3/501) ( لا يمسح وهذا هو الصحيح ) وضعّف الحديث الوارد في ذلك .

* وأما الصلاة على النبي في آخر القنوت فلم يثبت فيها حديث ولكنها مشروعة لفعل الصحابة ، قال الألباني في صفة الصلاة صـ180 ( ثبت في حديث إمامة أبي بن كعب الناس في قيام رمضان أنه كان يصلي على النبي في اخر القنوت وذلك في عهد عمر ـ رواه ابن خزيمة في صحيحه(1097) وثبت مثله عن أبي حليمة معاذ الأنصاري الذي كان يؤمّهم أيضاً في عهده فهي زيادة مشروعة لعمل السلف بها فلا ينبغي إطلاق القول بأن هذه الزيادة بدعة والله أعلم ) انتهى كلام الأباني رحمه الله .

و صيغة الدعاء في قنوت النوازل : ما ورد من أحاديث في قنوت النوازل كان خاصاً بأناس معينين ولا يمكن أن يكون عاماً في كل عصر ، ومن هنا فإن عليه أن يغير ألفاظ الدعاء الوارد وأن يستبدلها بما يوافق القضايا المعاصرة ويتقيد بالنص حرفياً وهو الأوْلَى كأن يقول ( اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين ) وأن لا يطيل في دعاء قنوت النوازل وإنما يختار من الدعاء أجمعه ما يناسب الحال . قال ابن تيمية (23/109)  ( كما أن النبي لما قنت على قبائل بني سُليم دعا عليهم بالذي يناسب مقصوده ، ثم قنت للمستضعفين من أصحابه ، دعا بدعاء يناسب مقصوده ، فسنّة رسول الله وخلفائه الراشدين تدل على شيئين أحدهما : أن الدعاء فيه ليس دعاء راتباً بل يدعو في كل قنوت الذي يناسبه ، والثاني: أن دعاء القنوت مشروع عند السبب الذي يقتضيه ليس سنّة دائمة في الصلاة ) قال النووي في المجموع ( 3/499) ( قال البغوي : يكره إطالة القنوت )

(ز) صفة القنوت في النوازل :

*أما في حق الإمام ، فإنه يبدأ الصلاة ناوياً فعل القنوت فيها ، فإذا كان في الركوع الأخير فيها يقول : سمع الله لمن حمده ، ربنا لك الحمد ، ثم يرفع يديه بمحاذاة كتفيه أو أذنيه وتكون بطون كفيه إلى السماء وظهورها إلى الأرض وعيناه تنظران إلى بطون كفيه ، ويدعو بالدعاء المناسب للحالة النازلة ، فإذا انتهى من دعائة صلى على النبي صلى الله عليه وسلم وأنزل كفيه بلا مسح للوجه أو الصدر، ثم يسجد.

*وأما في حق المأموم ، فإنه إذا بدأ الإمام في القنوت رفع يديه كما سبق للإمام ولا يدعو المأموم بل يؤمّن على دعاء الإمام ، ويسكت إذا كان الإمام يُثني على ربه ولا يقول حقاً أو صدقاً أو نشهد أو يا الله  ولا يصلي على النبي في خاتمة الدعاء . وإذا انتهى الإمام من الدعاء ، خفض المأموم يديه ولا يمسح وجهه ثم يتابع الإمام ,

2-  قنوت الوتر : المختص بالركعة الأخيرة من صلاة الوتر وقال الجمهور ما عدا المالكية :

أ- مشروعيته : وقد شرع الإسلام دعاءاً خاصاً في صلاة الوتر . فعن الحسن بن علي قال : علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في قنوت الوتر ( اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ) وفي إحدى الروايات زيادة في آخره هي ( لا منجا منك إلا إليك ) ذكرها الألباني في صفة صلاة النبي صـ181 ، وصحح الحديث كذلك في صحيح سنن أبي داود (1425)  ولم يصح في قنوت الوتر سوى هذا الدعاء بلفظه ، فالواجب على من قرأه أن يلتزم به وهو أفضل الدعاء لقنوت الوتر ، ويجوز بغيره لفعل بعض الصحابة في عهد عمر كما في صحيح ابن خزيمة (2/255)

(ب) موضع قنوت الوتر : والسنّة أن يقنت بعد الفراغ من القراءة قبل الركوع لما رواه أُبيّ بن كعب رضي الله عنه ( أن رسول الله كان يوتر ويقنت قبل الركوع ) رواه النسائي وبن ماجه وصححه بشواهد الألباني في إرواء الغليل (426) وهو في صحيح سنن أبي داود (1427) .

 وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح (6911) ( عن علقمة أن ابن مسعود وأصحاب النبي كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع ) قال الألباني رحمه الله في قيام رمضان صـ31 ( ولا بأس من جعل القنوت بعد الركوع ومن الزيادة عليه بلعن الكفرة ، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء للمسلمين في النصف الثاني من رمضان لثبوت ذلك عن الأئمة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ ثم ذكر دليل ذلك وقال : رواه ابن خزيمة في صحيحه (2/155) .

(ج) حكمه : لم يقم دليل على وجوبه ، فهو سنة ، يفعلها المرء أحيانا ويتركها أحيانا لعدم ثبوت دوام رسول الله على فعلها . قال الألباني في صفة صلاة النبي صـ179 : ( وإنما قلنا ( أحيانا ) لأن الصحابة الذين رووا الوتر لم يذكروا القنوت فيه ، فلو كان يفعله دائما نقلوه جميعا عنه )

(د) حكم التكبير ورفع الأيدي فيه والصلاة على النبي في آخره : أما التكبير عند بدء القنوت فلم يرد فيه دليل صحيح .وأما رفع اليدين فقد قال الألباني في الإرواء (2/181) ( ثبت مثله عن عمر وغيره في قنوت الوتر ) ثم هو دعاء يُستحب فيه رفع اليدين وخاصة إذا رفع الإمام يديه في القنوت لابد من اتّباعه لحديث ( إنما جُعل الإمام ليؤُتم به ) .وأما مسح اليدين بالوجه في القنوت قلم يرد مطلقاً لا عنه صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه فهو بدعة بلا شك ـ قاله الألباني في الإرواء (2/181) . وأما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في أخره فقد ثبت عن أبي بن كعب في قيام رمضان أنه كان يفعل ذلك في آخر القنوت وذلك في عهد عمر رضي الله عنه كما رواه ابن خزيمة في صحيحه (1097) وثبت عن معاذ الأنصاري أيضاً ، والأثران ذكرهما في صفة صلاة النبي صـ180 ثم قال ( فهي زيادة مشروعة لعمل السلف بها ، فلا ينبغي إطلاق القول بأنها بدعة )

3 – قنوت رمضـان : وهو في الركعة الأخيرة من صلاة الوتر في قيام رمضان ، يقنت الإمام في رمضان في النصف الثاني منه لثبوت ذلك عن الصحابة في عهد عمر . والفرق بين قنوت رمضان وقنوت الوتر في غيره ما يلي :

1- أنه جهر من الإمام في جماعة وقنوت الوتر يكون للمنفرد ويُسرّ به .

2- أنه في النصف الثاني من رمضان فقط . وقنوت الوتر على دوام السنة يُفعل أحياناً .

أن المأمومين يسمعون فيؤمنون ولا يدعون ، وقنوت الوتر يدعو المنفرد ولا يؤمّن .

وقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (6936) بإسناد حسن عن محمد بن بكر عن ابن جريج قال : قلت لعطاء: القنوت في شهر رمضان ؟ قال ( عمرُ أول من قنت ) قلت: النصف الآخر أجمع، قال ( نعم )  وأخرج ابن أبي شيبة أيضاً (6933) عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه كان لا يقنت إلا في النصف ـ يعني من رمضان ) واسناده صحيح . وروى أبو داود والبيهقي وابن أبي شيبة من طرقٍ عن الحسن ( أن أُبي بن كعب رضي الله عنه أمَّ الناس في رمضان وكان يقنت في النصف الآخر يسعهم الدعاء ) والأثر في صحيح سنن أبي داود (1427) .

 وثبت قنوت رمضان في النصف الثاني منه عن جمهرة من أئمة التابعين كالحسن والزهري وابن سيرين وغيرهم رواه عنهم البيهقي وابن أبي شيبة وعبد الرزاق والقنوت هذا هو مذهب مالك والشافعي وروايةٍ عن أحمد كما في المغني لابن قدامة (1/794) . وقد ورد عن بعض السلف المنع من القنوت في رمضان كله ، وعن أخرين مشروعيته في رمضان كله .

4- قنوت الفجـر : في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح ، وهو عند المالكية سراً في صلاة الصبح للإمام والمأموم والمنفرد ، أما الشافعية فيرون القنوت فيه جهراً ويذهب الحنفية والحنابلة وأهل الحديث إلى عدم مشروعية قنوت الفجر وهذا هو الراجح لعدم ثبوت مداومة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ولذلك أنكره بعض السلف . قال ابن القيم في الزاد (1/272) ( من المعلوم بالضرورة أن رسول الله لو كان يقنت كلّ غداةٍ ويدعو بهذا الدعاء ويؤمّن الصحابة لكان نقل إلينا ) وقد صحت آثارٌ كثيرة عن الصحابة في عدم قنوتهم في الفجر إلا عند النوازل ، بل صح عن بعضهم بأن هذا الفعل محدثة وبدعة ، وإليك أقوالهم :

* فقد روى مالك في الموطأ (379) عن نافع قال ( إن ابن عمر كان لا يقنت في شيء من الصلاة ) وعن ابن أبي شيبة وعبد الرزاق من طرق عن أبي الشعثاء قال : سألت ابن عمر عن القنوت في الفجر فقال ( ما شعرت أحداً يفعله )

* وعند الطبراني (9428) وابن أبي شيبة (6904) وعبد الرزاق (4966) من طرق كثيرة عن علقمة والأسود وغيرهما قالوا ( كان عبد الله ـ أي أبن مسعود ـ لا يقنت في شيء من الصلوات إلا في الوتر قبل الركعة ) وفي لفظ ( كان لا يقنت في الفجر )

* وعند ابن حبان عن أبي هريرة قال ( كان رسول الله لا يقنت في صلاة الصبح إلا أن يدعو لقوم أو على قوم) قال ابن حجر في الفتح (8/226) (وعند ابن خزيمة مثله عن أنس واسناد كل منهما صحيح ) وكذا قال في الدراية (195)

* وروى الترمذي (402) وابن ماجه (1241) وأحمد عن سعد بن طارق الأشجعي قال ( قلت لأبي : يا أبتِ إنك صليت خلف رسول الله وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي هاهنا، فكانوا يقنتون في الفجر؟ فقال أي بنيّ محدث ) وفي رواية النسائي قال ( يا بني بدعة )

* قال ابن حجر في الدراية صـ117 ( ويؤخذ من أخباره صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يقنت إلا في النوازل وقد جاء ذلك صريحا فعند ابن حبان عن أبي هريرة كان رسول الله لا يقنت في صلاة الصبح إلا أن يدعو لقومٍ أو على قوم )

* قال ابن تيمية في الفتاوي (21/154) ( من تأمل الأحاديث علم علماً يقيناً أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يداوم على القنوت في شيء من الصلوات لا الفجر ولا غيرها ولهذا لم يذكر هذا أحد من الصحابة بل أنكروه ، وإنما المنقول عنه ما يدعو به في العارض كالدعاء لقوم أو على قوم ، فأما ما يدعو به في قنوت الفجر قوله ( اللهم اهدنا فيمن هديت … ) فهذا إنما في السنن أنه علّمه للحسن يدعو به في قنوت الوتر ثم العجب أنه لا يستحب المداومة عليه في الوتر ويداوم عليه في الفجر ولم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قاله في الفجر )

* قال ابن القيم في الزاد (1/273) ( وكان هديه صلى الله عليه وسلم القنوت في النوازل خاصة وتركه عند عدمها ولم يكن يخصه بالفجر ) وهذا ما رجّحه الشوكاني في نيل الأوطار (2/346)

* قال ابن القيم رحمه الله في الزاد (1/272) ( فأهل الحديث متوسطون وهم أسعد الناس بالحديث … فإنهم يقنتون حيث قنت رسول الله ويتركونه حيث تركه فيقتدون به في فعله وتركه ) قلت : وهكذا نجد أهل الحديث في كل مسألة من مسائل الدين ، هم فيها وسط وسنّة رسول الله لهم مسلكاً .

قلت : وأما ما استدل به القائلون بقنوت الفجر على الدوام من أدلة فإما أنها صحيحة غير صريحة أو ضعيفة لا يحتج بها ، وأشهرها حديث أنس قال ( ما زال رسول الله يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا ) رواه أحمد والبيهقي ، وقد أسهب ابن القيم في الزاد (1/275) في بيان ضعف هذا الحديث ونكارته ثم قال ( ولو صح لم يكن فيه دليل على هذا القنوت المعيّن البتة فإن القنوت يطلق على القيام وتطويل هذا الركن قنوت وتطويل القراءة قنوت ، وهذا الدعاء المعين قنوت فمن أين لكم أن أنساً إنما أراد هذا الدعاء المعين دون سائر أقسام القنوت ) وحمل الحافظ ابن حجر في الدراية (246) معنى الحديث وقول أنس في حديث آخر ( ما كان يقنت إلا إذا دعا لقوم…) بأن مراد أنس اثبات قنوت النوازل في الفجر إلى أن فارق الدنيا …)

5-بدع الناس في القنوت :

1- ما يفعله بعض الأئمة من التلحين في الدعاء والتغني والوعظ والتمطيط في الدعاء .

2- جلب أدعية مخترعة لا أصل لها والمواظبة عليها

3- قصد السجع في الدعاء والبحث عن غرائب الأدعية .

4- التطويل في القنوت بما يشق على المؤمنين .

5- استفتاح دعاء القنوت بغير ما ذكر في النصوص وأثار السلف .

6- قال المطيعي في هامش المجموع للنووي (1/790) ( ومن البدع التي لم بجد لها أصلاً قول المأمومين عند عبارات الثناء هذه ( حقاً ) وقولهم عند ( تباركت ربنا وتعاليت ) ( يا الله …)

7- المداومة على قنوت الوتر وكذلك قنوت الفجر في غير النوازل مع الصلوات الخمس .

 

هذه بعض الأحكام التي تتعلق بأنواع القنوت

 وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 

Developed and Designed by: HarounSoft

  • Twitter
  • Facebook
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Android App
  • IPhone App