بدعُ الناس في رمضان

 إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله  وبعد،،

مقدمــة :

     فإن الأصل في العبادات التحريم ، فلا يجوز إقامة عبادةٍ ما إلا بدليل شرعي صحيح معمول به ، ومن ثم فإنّ أيّ عبادةٍ أو قربةٍ لا تستند إلى نص شرعي فما هي إلا بدعة منكرة وعملٌ مردود على صاحبه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :"" من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردّ "" متفق عليه . ولذلك كان الواجب على أهل العلم والديانة البيان لما اندرس من السنة والإنكار لما ظهر من البدع والأهواء .

وما هذا البحث المختصر لبيان أشهر ما يقع فيه الناس في شهر رمضان المبارك إلا من باب أداء الأمانة والنصح والتعريف ، ورجاء المثوبة وإعذاراً إلى الله تعالى، ولأن كثيراً من البدع انتشرت في بلاد المسلمين بسبب سكوت العلماء وطلاب العلم عن إنكار وبيان هذه البدع .

* والبدعة هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة ، يُقصد بها زيادة التقرب إلى الله وليس عليها دليل شرعي صحيح .

* والبدع كلها مذمومة وضلالة لحديث ( إن شر الأمور محدثاتها وأن كل بدعة ضلالة ) رواه أحمد وغيره  ومنها ما هو كفرٌ وما هو معصية ، فالبدع ليست في رتبة واحدة .

* أما أسباب نشأة البدع فمنها الجهل بالدين والسنة ، ومنها تحسين العقل واتباع الهوى  والقول على الله بغير علم ، والجهل بالتمييز بين الأحاديث المقبولة وغيرها واتباع المتشابه وعدم الرجوع إلى فهم السلف الصالح في جميع الأمور ، وغير ذلك .

* أما أسباب انتشار البدع فمنها سكوت كثير من العلماء وطلبة العلم عليها ، بل من العلماء من يعمل بالبدعة ويرّوج لها طلباً للمال والشهرة ، ومن أسباب انتشارها أيضاً تحوّل البدع إلى عادة يصعب الانصراف عنها خاصةً إذا حمتها القوانين وغير ذلك .

* وأمّا آثار البدع على المجتمع فهي كثيرة ، منها إماتة السُنن ، والجدل بغير حق ، والخصومات في الدين ، واتباع الهوى ، ومفارقة الجماعة ، وضلال الناس ، وغير ذلك .

* وأما وسائل الوقاية من البدع فمنها :

أ - الاعتصام بالكتاب والسنّة والتمسك بهما وفهمهما بفهم السلف الصالح .

ب- تطبيق السنّة في سلوك الفرد وسلوك المجتمع .

جـ-نشر وتعليم السنة لرفع الجهل عن الناس حمايةً لهم من البدع .

د - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

هـ-القضاء على أسباب البدع المذكورة آنفاً .

* وشهر رمضان شهر مبارك ، وفضائله كثيرة ، وقد شُرع فيه من الأعمال والقُرَب الشيء الكثير ، ومن تتبع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان يجده أحسن هدي ، كيف لا وقد قال الله تعالى ) لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة ( وقد بلّغ رسول الله الأمانة كاملةً وأكمل الله عز وجل به الدين ، فإذا تمسكنا بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم لن نضل أبداً لأنه القائل :"" تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما : كتاب الله وسنتي "" رواه الحاكم وهو في صحيح الجامع (2937) وقد كان الواجب على الناس أن يستفيدوا من كل لحظات هذا الشهر المبارك ، غير أن كثيراً منهم ، بجهلهم ، يقعون في بعض المنكرات والبدع في هذا الشهر ممّا قد يُفسد صومهم أو يضعف من ثوابهم بل قد يحبطه ، ولم يسعهم ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الذين كانوا أحرص الناس على الخير ، ولذلك قال فيهم الإمام مالك ( لو كان خيراً لسبقونا إليه )

 - وهذه بعض البدع التي أحدثها الناس في شهر رمضان المبارك :

1-    استخدام الحساب والفلك في معرفة صوم رمضان : وهذا ليس له أصل في الشرع وإنما العبرة  انعقاد الصوم برؤية الهلال، لا بالحساب والفلك والنجوم، ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم :"" لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تُفطروا حتى تروه "" متفق عليه ، وقال أيضاً :(إنّا أمة أميَّة لا نكتب ولا نحسب ، الشهر هكذا وهكذا .. ) ، يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين ، والحديث متفق عليه . قال ابن حجر في الفتح (4/151) المراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها ، ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضاً إلا النزر اليسير ، فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حسابالتسيير ، واستمر الحكم في الصوم بل ظاهر السياق بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلاً ، ويوضحه قوله في الحديث "" فإن غُم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين "" ولم يقل فسلوا أهل الحساب ، ثم قال ( وقد ذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التسيير في ذلك وهم الروافض ،قال الباجيّ : وإجماع السلف الصالح حجّة عليهم وقال ابن بزيزه : وهو مذهب باطل ، فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم لأنها حدس وتخمين وليس فيها قطع )

2-   اتباع غير أهل البلد المسكونة في عقد الصيام أو في التحلل منه : وهذه من البدع الحديثة ـ فيأتي جماعة من الناس لا يقنعون بعدم ثبوت الرؤية سواء لهلال رمضان أو لهلال شوال في البلد التي يسكنونها ويصومون تبعاً لرؤية أهل بلد آخر مع أن اختلاف المطالع معتبر عند أهل العلم والقول الراجح هو لزوم اتباع إمام البلد الذي يسكنه المسلم والصيام مع جماعة المسلمين وكذلك الفطر معهم ويدل على ذلك حديث "" صومكم يوم تصومون وأضحاكم يوم تضحون"" صحيح سنن أبي داود (2324) وحديث "" الفطر يوم يفطر الناس والأضحى يوم يضحي الناس "" وهو في صحيح سنن الترمذي (697) ، وقال الترمذي بعده (وفسّر بعض أهل العلم هذا الحديث أن الصوم والفطر مع الجماعة وعُظم الناس) وقال ابن تيمية (25/114) ( والقول الثالث : يصوم مع الناس ويفطر مع الناس وهذا أظهر الأقوال لقول النبي صلى الله عليه وسلم "" صومكم يوم تصومون "" وهذا القول رجحه الألباني في تمام المنّة صـ399 والسلسة الصحيحة رقم (224) وهذا في حالة رؤيته للهلال وصومه مخالفاً لفطر الناس فكيف بمن لم يرَ الهلال ويخالف الناس في البلد التي يسكنها ويعمل برؤية بلد آخر

3-   صيام يوم الشك على سبيل الاحتياط والتورع :- وهذا مخالف للسنة إلا إذا كان تعود صياماً تطوعاً فليصمه لحديث "" لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم "" متفق عليه . قال الإمام أحمد ( لا بأس أن يصوم اليوم الذي يُشك فيه إذا لم ينوِ أنه من رمضان ) مسائل عبد الله بن أحمد (675).

4-   صيام رمضان ثلاثين يوماً باستمرار : قال الشيخ ابن باز رحمه الله ( قد دلت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإجماع أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ، والتابعين لهم بإحسان من العلماء على أن الشهر يكون ثلاثين ويكون تسعاً وعشرين فمن صامه دائماً ثلاثين من غير نظر في الأهلّة ، فقد خالف السنة والإجماع وابتدع في الدين بدعة لم يأذن بها الله ) نقلاً من كتاب( البدع والمحدثات وما لا أصل له صـ534)

5-   رفع الأيدي إلى الهلال عند رؤيته يستقبلونه بالدعاء قائلين ( هلَّ هلالك جلّ جلالك شهر مبارك ) ونحو ذلك ممّا لم يعرف له أصل في الشرع ، بل هو مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وأنه إذا رأى الهلال قال"" اللهم أهله علينا  باليمن والايمان والسلامة والإسلام ، ربي وربك الله "" أحمد والترمذي وهو في صحيح الجامع (4726) فما يفعله الناس عند رؤية الهلال من غير هذا الدعاء والاستقبال ورفع الأيدي ومسح وجوههم ممّا لا أصل له .

6-   الطواف في أول ليلة من رمضان في القرى والشوارع المسمّى بالرؤية ، وقراءة الأوراد والأذكار والصلوات وكذلك تعليق الزينات والمصابيح الملونة وتسميتها فوانيس رمضان ، كل ذلك لم يفعله رسول الله ولا السلف الصالح وقد أنكره كثيرٌ من أهل العلم .

7-   الإمساك عن الطعام والشراب والمفطّرات قبل طلوع الفجر بوقتٍ أو إطفاء المصابيح : والصحيح هو أن المسلم يباح له الأكل والشرب والنكاح حتى طلوع الفجر لأن الله عز وجل أمرنا بذلك في قوله ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ) ولأن رسول الله قال : ( إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ) متفق عليه ، بل يجوز للمسلم أن يقضي حاجته من السحور ولو أذن المؤذن ، لقوله صلى الله عليه وسلم :( إذا سمع أحدكم النداء والإناء في يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه ) رواه أحمد وأبو داود والحاكم وهو في صحيح سنن أبي داود (2350) وأخرج ابن جرير الطبري ( 2/102) من طريقين عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : أقيمت الصلاة والإناء في يد عمر ، قال : أشربها يا رسول الله؟ قال : نعم ، فشربها . والحديث في السلسلة الصحيحة للألباني برقم (1394) فثبت أن الإمساك عن الطعام قبل طلوع الفجر مخالف لكتاب الله وسنة رسول الله ولذلك اعتبره ابن حجر في فتح الباري (4/199) من البدع المنكرة حيث قال ( ومن البدع المنكرة إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان وإطفاء المصابيح التي جُعلت علامة لتحريم الأكل والشرب على من يريد الصيام زعماً مما أحدثه أنه للاحتياط في العبادة وقد جرهم ذلك إلى أن صاروا لا يؤذنون إلا بعد الغروب بدرجة لتمكين الوقت فأخروا الفطر وعجلوا السحور وخالفوا السنة ، فلذلك قلّ عنهم الخير وكثر فيهم الشر ، والله المستعان ) انتهى كلامه .

8-   بدعة التسحير : أي إعلام الناس بوقت السحور بغير الأذان الأول قبل الفجر : والأذان الأول للقيام والسحور مشروع لحديث ( إن بلالاً يؤذن بليل ، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ) متفق عليه  وزاد أحمد وغيره ( وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر ) ، واستبدل الناس هذه السنّة بأمور أحدثوها لم يفعلها رسول الله ولا الصحابة والسلف الصالح ، وممّا أحدثوه للتسحير قول المؤذنين في المساجد    ( تسحروا ، كلوا واشربوا ) وما أشبه ذلك ، ويقرؤون الآيات التي فيها ذكر الصيام ، ومن ذلك إنشاد القصائد والضرب بالطبل والطواف بها على البيوت ودق الأبواب ، وفي بعض البلاد  يُسحرون بدق الطار والغناء واللهو ، ومنهم من يضرب الأبواق ، وغير ذلك ، فاستبدلوا سنّة  الإسلام وهو الأذان الأول بهذه الأمور المحدثة .

9-   بدعٌ في صلاة التراويح : مثل ما يحصل من بعض الأئمة بالإسراع في القرآن في الصلاة وفي أداء الأركان وكذلك قراءة القرآن والتسبيح بصوت مرتفع جماعة بعد كل ركعتين أو أربع من التراويح ، كلُّ ذلك وغيره أحدثه الناس في الاستراحة بين ركعات التراويح وهذه الاستراحة ليس  لها  أصل ، ومن ذلك أيضاً قول المؤذن عند القيام لصلاة التراويح: ( صلاة التراويح يرحمكم الله ) ومن ذلك الإفراط في استعمال أدعية غير مأثورة في القنوت وكثيرٌ منها لا يكون دعاء وإنما وصف لأحوال القبور والآخرة ، والبعض يطوّل في الدعاء ويشق على الناس وكذلك المداومة على القنوت في الوتر ، قال ابن القيم ( قنت وترك ، وكان تركه القنوت أكثر من فعله ) والخير كله في الاتباع والشر كله في الابتداع.

10-   ليلة ختم القرآن في رمضان : قال أبو شامة في الباعث صـ83 ( وابتدع بعضهم أيضاً جمع أيات السجدات ، يقرأ بها في ليلة ختم القرآن وصلاة التراويح ويسبح بالمأمومين في جميعها ) وقال ابن الحاج في المدخل (2/298) ( وينبغي للإمام أن يتجنب ما أحدثه بعضهم من البدع عند الختم وهو أنهم يقومون بسجدات القرآن كلها فيسجدونها متوالية في ركعة واحد أو ركعات ، إذ  أنه من البدع التي أُحدثت بعد السلف ) وكذلك تخصيص دعاء ختم للقرآن في وتر التراويح ليلة 27 من رمضان أو ليلة 29 منه . كل ذلك لم يرد عند السلف الصالح .

11-   تسمية الجمعة الأخيرة من رمضان بالجمعة اليتيمة وكتابة الأوراق التي يسمونها ( حفائظ ) حال الخطبة ويعتقدون بأنها تحفظ من الحرق والغرق والسرقة وغيرها ، فلا شك في بدعية هذه الأمور لما في ذلك من الإعراض عن استماع الخطبة بل والتشويش على الخطيب وسامعيه ، فيجب النهي عنها والتحذير منها . ومن البدع ما يفعله بعض خطباء المنابر وقولهم ( لا أوحش الله منك يا رمضان ، يا شهر القرآن ، يا شهر التراويح ) وهذه كلها بدع لا أصل لها .

12-   بدعة وداع رمضان : فإذا بقي من رمضان خمس ليالٍ أو ثلاث ، يجتمعون في المسجد أو في المجالس فيتناوبون أقوالاً وأشعاراً منظومة في التأسف على انسلاخ رمضان ، فيجتمع لهم الناس داخل المسجد وخارجه لعلمهم بأنها ليلة الوداع ، فترتفع الأصوات ويتغنى المجتمعون وما يفعله كذلك بعض الخطباء في آخر جمعة من رمضان من ندب فراقه كل عام والحزن على مضيه ، وهذا ممّا ليس له أصل ولا فعله السلف الصالح .

13-  بدع ليلتي العيدين : منها تخصيص ليلتي العيدين بالقيام أو صلاة مخصوصة فيها ، مائة ركعة وغير ذلك ، ولم يصح حديث ولا فعل صحابي في هذا الأمر . وما ورد من الأحاديث فهي موضوعة أو ضعيفة جداً ، منها حديث ( من أحيا ليلة الفطر وليلة الأضحى لم يمت قلبه يوم تموت القلب ) موضوع ـ ضعيف الجامع الصغير (5361) وكذلك حديث ( من أحيا الليالي الأربع وجبت له الجنة : ليلة التروية وليلة عرفة وليلة النحر وليلة الفطر ) موضوع ـ ضعيف الجامع الصغير(5358) .
وأخيراً ، هذه بعض البدع التي أحدثها الناس في رمضان أعاذنا الله وإخواننا السلمين من البدع.


 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 

Developed and Designed by: HarounSoft

  • Twitter
  • Facebook
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Android App
  • IPhone App