عمّار المساجد | شبكة بينونة للعلوم الشرعية

بتوقيت الإمارات

عمّار المساجد


نسخة (PDF)نسخة (PDF)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعدُ:

قال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ}[التوبة:18].

إنَّ للمساجد في الإسلام مكانةً عظيمة: وذلك لأنها بيوت الله تبارك وتعالى التي يُعبدُ فيها وحده عز وجل، قال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}[الجن:18]، وللمساجد رسالةٌ جليلةٌ تنهضُ بها، فهي مكانٌ لأداء الصلواتِ، ومنطلقٌ لجيوش الفتح الإسلامية، ودارٌ للعلم، ومنبرٌ للوعظ والإرشادِ، وغيرها من العبادات.

وفي هذا الموضوع: نتعرَّض للبحثِ في عمارة المساجد بالبنـاء وبالعبادةِ، من خلال عِدَّة مسائل كما يلي:

أ‌-  عمارةُ المساجد بالبناءِ: (وفيه مسائلُ سبع).

1- موقـعُ المسجـد: لابد من أرضٍ يُقام عليها المسجد، تُخصَّصُ لصلاة المسلمين، وهذه الأرضُ ينبغي أن تكون في وسط الناسِ، وأن يكون لها طرق مأمونة ميسورة، وأن تكون بمكانٍ تجوزُ الصلاة فيه، ولا بد أن تتحرر الأرض من مِلك العباد، وقد أمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجدِ في الدُّور، وأن تُنظَّف وتُطيَّب، كما روت عائشة رضي الله عنها ذلك([1])، ويجوزُ بناءُ المساجدِ بالدوائر والعِمارات الشاهقةِ لعدم ورود ما يمنع ذلك شرعاً.

2- بناء المسجد على القبر أو إليه: قال ابنُ تيمية رحمه الله: (اتفق الأئمةُ أنه لا يُبنَى مسجدٌ على قبرٍ)([2])، سواء كانَ القبرُ واحداً أو قبوراً متعددة، وسواء كان قبرُ مسلمٍ أو مشركٍ، فإنَّ اتخاذَه مسجداً حرامٌ لأدِلَّة.

منها قوله صلى الله عليه وسلم: (الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلاَّ الْمَقْبَرَةَ وَالحَمَّامَ)([3])، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)([4]).

 

وإذا اجتمع القبرُ والمسجدُ فلهما حالتان:

الحالة الأولى: أن يُبنَى المسجدُ أولاً ثم يدخلُ فيه القبرُ، فالراجح من أقوال أهل العلم: أنه يجبُ نبشُ القبر وإزالتُه عن المسجدِ تماماً؛ لاتفاق العلماءِ على تحريم دفن الميت بالمسجد، كما في المجموع للنووي.([5]).

الحالة الثانية: أن يكونَ القبرُ قد وضع أولاً ثم يُبنَى عليه مسجدٌ، فهذه الحالةُ التي نصَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على لعنِ مَن يفعلها، وعليه فيجبُ هدمُ المسجد ونقلُه إلى مكان آخر على القول الصحيح، كما ذكر ذلك ابنُ قدامة في المغني، وابنُ تيمية في الفتاوى([6]).

 3- بناءُ المساجد: ولبناء المساجد أحكامٌ وفضائل.

منها: أنَّ بناءَها واجبٌ لإقامة صلاةِ الجماعةِ فيه؛ ولقول عائشة رضي الله عنها: (أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ)([7]).

وعن عثمانَ بن عفَّان رضي لله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: (مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ تَعَالَى يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ)([8]).

-   لا ينبغي أن يتولى عمارةَ المسجد بالبناء من العُمَّال والمهندسين ونحوهم إلا المسلمون، وهم أحقُّ وأشرفُ وأولى مِن غيرهم الذين لا يُؤْمَنُونَ مِن الغش عند تصميم مخططات المساجد أو تنفيذها.

-   عند وضع مخططات المساجد لا بد من مراعاة وجود المرافق التابعة للمساجد وهي بيوت القائمين عليه، ودورات مياه المسجد للرجال والنساء، ومواقف جانبية للسيارات عند المسجد، وتخصيص مكان في آخر المسجد للنساء، وكذلك مكتبة المسجد.

-   إثباتُ وقفيَّةُ الأرض للمسجد شرعاً لدى المحاكم الشرعية.

-   إشرافُ الجهة المسئولة عن المساجد على عملية البناء ومراقبة القائمين عليها حتى يكتمل البناء ويتم تسليمه إلى شركات الصيانة.

-   كَرِهَ جمهورُ العلماءِ زخرفة المساجد والتباهي بها، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: (إِذَا حَلَّيْتُمْ مَصَاحِفَكُمْ، وَزَوَّقْتُمْ مَسَاجِدَكُمْ، فَالدَّمَارُ عَلَيْكُمْ)([9])، وهو صحيح.

وعند أبي دواد وغيره: عن أنس أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ)([10]).

4- أجـزاء المسجـد: ومنها المحرابُ، وهو دليلٌ من أدلَّة القبلةِ، وقال به بعضُ السلفِ والجمهور، واصطلح المسلمون في هذا العصر على اتخاذه في المسجد، وصار مِن علاماتِه التي يتميّزُ بها([11]).

ومن أجزاء المسجد: رَحْبَةُ المسجد، وهي صحنُه وساحتُه، والراجح أن الرَّحبة إن كانت متصلة بالمسجد محوطة فهي من المسجدِ وتأخذ حكمه([12]).

ومن أجزائه: سطح المسجد وخلوتُه، واتفق العلماء على أنَّ سطح المسجد من المسجد، يجوزُ الاعتكاف فيه([13])، وكذلك خلوة المسجد الملحقةُ به تجوزُ الصلاةُ فيها مع الإمام حال اتصال الصفوف.

ومنارةُ المسجد: تأخذ حكم المسجد عند الجمهور إذا كانت متصلة بالمسجد([14]).

والمنبرُ يُستحبُّ اتخاذُه بالمساجدِ: ليخطب عليه خطيب الجمعة، وموقعه عن يمين المحراب، ولا ينبغي أن يكون عالياً جداً.

ومن أجزاء المسجد: مكانٌ يخصَّصُ للنساء خلف الصفوف يستطعن رؤيةَ المأمومين للاقتداء بهم.

وكذلك: مكتبة المسجد، وبيوت القائمين عليه، ودورات المياه، كما يوجد في المساجد الكبيرة لكل حيّ مغسلةٌ للموتى، وهي غرفة ملحقةٌ بالمسجد لغسل الأمواتِ يتوفر فيها الأكفان والحَنوطُ ونحوها.

5- ملكيـة المسجـد: إذا كانت الأرضُ مملوكةً لإنسانٍ ثم وَقَفَهَا مسجداً فإنها تخرجُ مِن مِلكه وتصبحُ حقَّاً مشتركاً لجميع المسلمين بإجماع العلماء، ولا يجوزُ تأجيرُ المسجدِ ولا جزءٍ منه لمن ينتفع به في غير أوقات الصلاةِ، ويجوزُ أن يُسمَّى المسجدُ باسم شخصٍ معيَّنٍ عند الجمهور كما نقل ابنُ حجر في فتح الباري([15]).

6- تنظيمُ المسجد: أي تهيئتَه للمصلِّين: ينبغي أن يكون جدارُ القبلةِ مستقيماً من الداخل، وذلك يساعدُ على تسوية الصفوف، والأصلُ أن أبواب المسجد تبقى مفتوحةً للمصلِّين إلَّا إذا خيف على المسجد أو متاعه من السرقةِ والعبثِ والبهائمِ، وبه قال جمهور العلماء([16]).

وينبغي أن تُوضع المصابيح والمراوح وآلات التبريد والتدفئة في أماكن مناسبةٍ، ويجوزُ فرش المساجدِ بالفُرُش غير الحرير، وينبغي أن تكون الفُرُش خاليةً من التصاوير والزخرفةِ التي تلهي المصلِّين بأشكالها وألوانها الكثيرة.

7-  المسئولون عن المسجد وواجباتهم: وهم الجهةُ المعنيةُ بمراقبة المساجد، ثم إمام وخطيب المسجد، ثم المؤذِّن، والخادم، ومدرس القرآن الكريم، وغيرهم.

أما الجهةُ المعنيةُ بمراقبة المساجد: فينبغي أن يكون العاملون فيها مخلصين النية لله رب العالمين، وأن يكونوا من ذوي الالتزام والتمسُّك بالدين، ومِن المشهود لهم بالخير والصلاح، وعليهم القيام بواجب الدعوةِ إلى الله، والعنايةِ بالمساجدِ بنياناُ وتجهيزاً وعمارةً.

وأما إمام المسجد: فهو أول مسؤول مباشر عن المسجد، ولا بد أن يكونَ مِن ذوي العلم والأمانةِ والأهليةِ، فهو قدوةُ جماعةِ المسجدِ، وينبغي له أن يؤدِّي دوره كاملاً في التوجيه والنُّصح والإخلاص، ومِن واجباته المواظبةُ على إمامةِ الجماعةِ في كل وقت دون انقطاع، ومراقبةُ المؤذِّن والخادم، والرفع عنهما للجهةِ المسؤولةِ عند غيابهما أو تكاسلهما، وعليه مراجعةُ هذه الجهة لطلب كل ما يحتاج إليه المسجد.

وأما المؤذِّنُ: فقد ينوب عن الإمام في الصلاةِ، لذا يجبُ اختياره بدقةٍ، وأن يكون أميناً صيِّتاً حَسَنُ الصوتِ، حسن الخُلُق، ويعتني بدوره كاملاً في المسجد، وعليه فتح أبواب المسجدِ قبل حلول وقت الصلاةِ بزمنٍ كافٍ، ثم إغلاقها بعد الصلاة بزمنٍ كافٍ حسب تعليمات الجهة المسؤولة، وعليه تهيئة مكبِّرات الصوتِ قبل الأذان، وإنارةُ المسجدِ بشكل جيِّد، والتعاون مع الإمام دائماً.

وأما خادم المسجد: فعليه أن يبذلُ جهدَه في صيانةِ وتنظيف المسجدِ وأدواتِه، وعليه المحافظة على ترتيب المسجدِ، وفرشه، وخزائنِه، ومصاحفه، ومكتبته، وسائر أجزائِه.

وأما مُدرِّسُ القرآن والعلم في المسجد: فعليه أن يحرِص على أوقات المسلمين ونفعهم، وعليه العنايةُ بدرسه والتحضير له، والحرصُ على نفع الطلاب بإخلاص مِن علوم الكتاب والسنة.

‌       ب-  عمارةُ المساجدِ بالعبادةِ:

مِن المعلوم أنَّ المساجد إنما بنيت لعبادةِ الله وحده، فعمارتها بالعبادةِ هي الغايةُ المقصودةُ مِن عمارتها بالبناء.

وسيكون الكلام عن عمارة المساجد بالعبادةِ من خلال المسائل التالية:

1- صلاةُ الفريضةِ جماعةً بالمسجد:

         ومن هذه الصلاة: صلاةُ الجمعةِ، وهي فرضُ عينٍ على الرجالِ إلا مِن عُذر، ومنها صلاةُ الجماعةِ للفرائضِ الخمس بالمسجد، قال ابنُ تيمية رحمه الله: (إنَّ أئمَّةَ المسلمين متفقون على أنَّ إقامة الصلوات الخمس في المساجد هي من أعظم العبادات وأجلِّ القُربات)([17])، ومن الصلوات أيضاً صلاةُ الكسوف، والخسوف، والعيدين لحاجةٍ، وغيرها.

2- الصلوات المسنونةُ في المسجد:

         تجوزُ صلاةُ النافلةُ في المسجدِ: والأفضلُ أن تُصلَّى في البيوت ِبعيداً عن الناس، ويجوزُ صلاةُ الجنازةِ بالمسجد عند الجمهور، قالت عائشةُ رضي الله عنها: (مَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سُهَيْلِ ابْنِ الْبَيْضَاءِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ)([18])، والأصلُ أن تُصلَّى في المصلَّى أو المكان المخصَّص للجنائز، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (نَعَى لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجَاشِيَ صَاحِبَ الْحَبَشَةِ، فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَصَلَّى، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ)([19]).

ومن الصلوات النافلة التي تُصلَّى في المسجد: صلاةُ التراويح في شهر رمضان، حيثُ تحيا المساجد بعمارتها في لياليه المباركة، وأكثرُ العلماء على أفضليتها في المسجد مع الجماعة، لثبوت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنَّه صلَّاها في المسجد جماعةً كما في حديث عائشة رضي الله عنها عند مسلم([20]).

3- تحيـة المسجـد:

        وهي الركعتان اللتان يصليهما داخلُ المسجد قبل أن يجلس، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ)([21])، وفي روايةٍ لمسلم (فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ)([22])، ولقوله صلى الله عليه وسلم: (إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا)([23]).

4- اللُّبثُ في المسجد: وهو أنواع:

          اللبثُ في المسجد بعد الأذان واجبٌ: ولا يحلُّ له الخروج من المسجد إلا لعذر، والدليلُ على ذلك ما ورد عن أبي هريرة أنه رأى رجلاً خرج من المسجد بعد الأذان فقال: (أَمَّا هَذَا، فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ([24])(.

 

قال الترمذيُّ: (وَعَلَى هَذَا العَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ: أَنْ لاَ يَخْرُجَ أَحَدٌ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الأَذَانِ، إِلاَّ مِنْ عُذْرٍ)([25]).

واللبثُ في المسجد لشغل الوقت بالعبادةِ: كالصلاةِ وتلاوة القرآن والذكر، والوعظ وسماع العلم، ونحو ذلك من عمارة المساجد بالعبادة مرغبٌ فيه شرعاً.

والاعتكاف في المسجدِ مستحبٌ: وهو الإقامةُ فيه وملازمتُه للعبادةِ والطاعةِ.

5- مكان المصلِّى في المسجد:

        مكانُ الإمام متقدٍّمٌ: مستقلٌ عن الصف الأول مقابلُ وسطه، وليس أرفعُ من المأمومين، أمَّا المأموم إن كان واحداً فمكانه عن يمين الإمام لا يتأخر عنه، وإمَّا الاثنان فأكثر فمكانهم خلف الإمام، وأمَّا إذا كانت امرأةً أو أكثر فخلف الإمام، ويجبُ إتمامُ الصفوف في الجماعةِ وتسويتُهما وترتيبُهما وسدُّ الفُرَجِ، ويُكره الصفُّ بين السواري في صلاة الجماعةِ عند أكثر العلماء، لحديث قرَّةَ رضي الله عنه قال: (كُنَّا نُنْهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَيْنَ السَّوَارِي، وَنُطْرَدُ عَنْهَا طَرْدًا)([26])، وقال أنس رضي الله عنه: (كُنَّا نَتَّقِي هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)([27]).

6- التعليمُ في المسجد:

       التعلُّمُ والتعليمُ في المسجدِ له فضلٌ عظيمٌ: لقوله صلى الله عليه وسلم: (مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ)([28]).

ولقوله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ لَا يُرِيدُ إِلَّا أَنْ يَتَعَلَّمَ خَيْرًا أَوْ يَعْلَمَهُ، كَانَ لَهُ كَأَجْرِ حَاجٍّ تَامًّا حِجَّتُهُ)([29])، وينبغي على أئمة المساجدِ وطلبةِ العلمِ أن يُحدِّثوا الناسَ في المساجد بما يجعلهم يتعلمون أمور دينهم، ويبتعدون عن قراءةِ الكتبِ المليئةِ بقصصٍ مكذوبةٍ وضعيفةٍ.

7- الأذكار في المسجد:

        قال النووي: (ويستحب الإكثار في المسجد من ذكر الله تعالى والتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير وغيرها من الأذكار، ويستحب الإكثار من قراءة القرآن والحديث النبوي والفقه وسائر العلوم الشرعية)([30])، ويدل لما قاله النووي قولُ الله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ}[النور36 :37].

ومن الأذكار التي تُشرع بالمسجدِ: دعاء دخول المسجد والخروج منه، وكذلك الأذكارُ عُقَيبَ الصلوات المفروضة، والتكبيرُ من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق كما فعله السلفُ.

8- تنظيفُ المسجدِ مِن كل قذر يقع في أرضه أو فرشه أو حِيطانه:

         وهذا مستحبٌ للمصلِّين أن يفعلوه وفيه أجرٌ: وهذا قول الجمهور كما ذكر النووي في المجموع([31])، وفي تفسير قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ}، قال ابنُ كثير رحمه الله: (أنَّه أَمَرَ بتطهيرها من الدنس واللغو والأقوال والأفعال التي لا تليق بها، ومِن ذلك تقذيرها بجعل الوسخ فيها)([32]).

وقد مرَّ معنا حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ)([33]).

9- المشيُ إلى المسجد وآدابُـه:

         روى الترمذي في سننه: قوله صلى الله عليه وسلم: (إِذَا تَوَضَّأَ الرَّجُلُ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ لاَ يُخْرِجُهُ إِلاَّ إِيَّاهَا، لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، أَوْ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً)([34]) فينبغي للمسلم أن يُكثرَ الخُطى إلى المساجد؛ لأنه في عبادةٍ، وينبغي أن يتحلَّى بالسكينةِ والوقار، وألَّا يُسرعَ في مشيه، وينبغي له أن يتفقَّد نعليه حيث يدخل المسجد، وأن يدخل إلى المسجد نظيفاً طيِّب الرائحةِ، طاهر البدن والثوب، وغيرها من الآداب.

 

10- الأفعال المباحةُ في المسجدِ:

         منها وضع المصاحف وكتب الحديثِ في أماكن مناسبةٍ، ويجوزُ النوم في المسجد والاستلقاء والاحتباءُ ونحوه، لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته والسلف، وذلك في حالة عدم الإضرارِ بمصالح المسجد ونظافتِه، وحسب تعليمات الجهة المسؤولة عن المساجد.

كذلك يباح الوضوءُ والاغتسال في دورة مياه المسجد، ويُباح الكلامُ المباح أيضاً إذا كان ليس فيه إزعاجاً وتشويشاً للمصلِّين والمعتكفين فيه، ويُباحُ ضربُ الخيامِ في المسجد للمصلحةِ بشرط عدم الإضرار بالمسجد وبمن فيه، ويُباحُ للفقير المحتاج أن يسأل الناس في المسجدِ، ويجوزُ للناسِ أن يُعطوه ما لم يترتب على مسألتِه أذى كقطع خطبةٍ أو ذكـرٍ أو صلاةٍ أو نحوه.

ويباحُ الأكلُ والشربُ في المسجدِ إلَّا ما كان له رائحةٌ مؤذيةٌ كالبصل والثوم ونحوها، وينبغي ألا تكون مجالس الطعام مجالس غيبةٍ ونميمةٍ وضوضاء وارتفاع أصوات.

 

11- الأفعالُ الممنوعةُ في المسجد: منها ما هو محرّمٌ، ومنها ما هو مكروهٌ.

ومن هذه الأفعال والأقـوال الممنوعـة:

رفعُ الصوتِ بالمسجد: مع حصول التشويش على المصلِّين والذَّاكرين والنائمين، ورفع الصوت هنا قد يكون بالقراءةِ أو الجدالِ أو الشِعر المباح والأناشيد، أو نعي الموتى أو رثائهم، أو غير ذلك.

ومن الأفعال الممنوعة: عقد البيع في المسجدِ عند جمهور العلماء، وكذلك إنشادُ الضالَّةِ، وإنشاد الشعرِ، لما رواه عبد الله بن عمر: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنْ تُنْشَدَ فِيهِ ضَالَّةٌ، وَأَنْ يُنْشَدَ فِيهِ شِعْرٌ)([35]).

وقال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ لَا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا)([36]).

ومن الأفعالُ الممنوعةُ: السرعةُ في المشي إلى الصلاةِ، وهذا مخالفٌ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا)([37]).

ومن التصرُّفات الممنوعةِ: تخطِّي الرقاب في المسجدِ بغير عذر، لما رواه جابر رضي الله عنه أنَّ رسول الله رأى رجلاً يتخطَّى رقاب الناس وهو يخطبُ، فقال له: (اجْلِسْ، فَقَدْ آذَيْتَ وَآنَيْتَ)([38]).

 

ومن الأفعال الممنوعة في المسجد قبل الصلاة: تشبيكُ الأصابع لما رواه أبو داود والترمذي عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ الله يقول (إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكَنَّ يَدَيْهِ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ)([39]).

ومن الأفعال الممنوعة: البُصاقُ في المسجد، فلا يجوزُ التنخُّمُ والبزاقُ في أرض المسجد وفي قبلته، أما في التراب أو الحصباءِ أو الورق فيجوز للحاجة إليه، وإذا تنخَّم فليتنخم على جهةِ اليسارِ تحت قدمه، ثم ليدفنها في التراب، قال صلى الله عليه وسلم: (البُزَاقُ فِي المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا)([40]).

ومن الأفعال الممنوعة في المسجد: دخولُ المسجد لمن أكل ثوماً أو بصلاً أو رائحةً كريهةً لحديث أبي هريرة مرفوعاً: (مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ - يَعْنِي الثُّومَ - فَلاَ يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا)([41]).

ومن الأفعال الممنوعة: اتخاذُ المسجد للعبور طريقاً بلا حاجةٍ؛ لأنه يؤدِّي إلى توسيخِه.

ومن الأفعال الممنوعة: إقامةُ الحدودِ في المساجد عند جمهور العلماء، لحديث حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَلَا يُسْتَقَادُ فِيهَا)([42]).

ومن الأفعال الممنوعة: ما أحدثه بعضُ الناسِ في المساجد مثل:

-       التمسُّح بالخطيب إذا نزل من المنبر.

 -   التنفُّلُ والناس يُصَلُّون الفريضةَ، وهذا لا يجوز لقوله صلى الله عليه وسلم: (إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ)([43]).

-       الاعتزالُ في المسجد لغير اعتكاف وعبادة، وإنما للسكنى والمسألة ونحو ذلك.

-       تمسُّح بعضُ الناسِ بحيطانِ المسجدِ وستائره للبركة كما زعموا.

ج- مقترحات لأحياء دور المسجدِ وعمارته:-

-       بناء المساجد في المخطَّطات السكنية في المدن الجديدة وجعلها أوَّل ما يُبنى.

-       مراعاة البساطة وعدم التكلُّف في الزخرفة في البناء ومنع الإسراف فيه.

-       وضع مكافآت مجزية لمن يقوم على أمور المساجد؛ لأهمية دورهم في المجتمع.

-       تأهيل أئمة المساجد تأهيلاً علمياً شرعياً.

-   تحديد مسجد الجامع الكبير في الحيِّ أو المدينةِ؛ ليكون مركزاً علمياً تُعقدُ فيه الدروسُ الأسبوعية، وتأمين مكتبة علمية فيه يستفيدُ منها أهلُ الحيِّ.

-       غرس حُبِّ المساجدِ والارتباط بها في معظم شئون الحياةِ.

-   ربطُ مصالح الناس بالمساجدِ بعقد المحاضرات والندوات، وإصلاح أوضاع الفقراءِ، وجمع الزكواتِ، وعقد الدروس اليومية لتعليم عامَّة أهل الحيِّ.

وآخـرُ دعوانـا أنْ الحمـدُ للهِ ربِّ العالميــن

 

 


 

([1]) انظر صحيح سنن أبي داود (455).

([2]) الفتاوى (27/140).

([3]) سنن الترمذي برقم (317)، وهو في صحيح الجامع برقم (2767).

([4]) متفق عليه: رواه البخاري برقم (435)، ومسلم برقم (531).

([5]) انظر المجموع للنووي. (2/182).

([6]) راجع المغني (2/67) ومجموع الفتاوى (27/489).

([7]) صحيح سنن أبي داود برقم (455).

([8]) متفق عليه: رواه البخاري برقم (450)، ومسلم برقم (533) واللفظ له.

([9]) شرح السنة للبغوي برقم (464)، ورواه الإمام أحمد في كتاب الورع، وابن أبي شيبة وغيُرهم، وهو في صحيح الجامع برقم (585).

([10]) سنن أبي داود برقم (449).

([11]) راجع المدونة لمالك (1/81)، والمجموع للنووي (3/175)، والمغني لابن قدامة (1/439).

([12]) راجع فتح الباري (13/155).

([13]) راجع الأم للشافعي (1/172)، والمغني لابن قدامة (2/206).

([14]) راجع الفروع لابن مفلح (3/153).

([15]) انظر فتح الباري. (1/515)

([16]) انظر المجموع للنووي (2/81)، وشرح فتح القدير (1/367)، والفروع لابن مفلح (4/636).

([17]) مجموع الفتاوى (23/225).

([18]) صحيح مسلم برقم (973).

([19]) متفق عليه: رواه البخاري برقم (3880)، ومسلم برقم (951)، واللفظ له.

([20]) انظر صحيح مسلم برقم (178/761)، وابنُ خزيمة (3/338).

([21]) متفق عليه: رواه البخاري برقم (444)، ومسلم برقم (714) واللفظ له.

([22]) صحيح مسلم برقم (714).

([23]) صحيح مسلم برقم (875).

([24]) صحيح مسلم برقم (655).

([25]) سنن الترمذي (1/ 279).

([26]) صحيح ابن خزيمة برقم (1567)، وهو عند الحاكم وابن حبان، وحسنه الألباني.

([27]) سنن أبي داود برقم (673).

([28]) صحيح مسلم برقم (2699).

([29]) المعجم الكبير للطبراني برقم (7473)، وهو في صحيح الترغيب والترهيب برقم (86).

([30]) الأذكار للنووي (ص 33).

([31]) انظر المجموع (2/181).

([32]) تفسير ابن كثير (6/66) الآية (36) من سورة النور.

([33]) تقدَّم تخريجه.

([34]) سنن الترمذي برقم (603).

([35]) سنن أبي داود برقم (1079)، وهو في صحيح الجامع برقم (6885).

([36]) صحيح مسلم برقم (569).

([37]) صحيح مسلم برقم (602).

([38]) سنن ابن ماجه برقم (1115)، وهو في صحيح الجامع برقم (155).

([39]) سنن أبي داود برقم (562).

([40]) متفق عليه: رواه البخاري برقم (415)، ومسلم برقم (552).

([41]) متفق عليه: رواه البخاري برقم (853)، واللفظ له، ومسلم برقم (561).

([42]) مسند أحمد برقم (15578).

([43]) صحيح مسلم برقم (710).

 

Share this
  • Twitter
  • Facebook
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Android App
  • IPhone App