القواعد الخمس في التعامل مع السنن والنوافل المستحبات | شبكة بينونة للعلوم الشرعية

بتوقيت الإمارات

القواعد الخمس في التعامل مع السنن والنوافل المستحبات


نسخة (PDF)نسخة (PDF)

 

إن الحمد لله نحمد ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله.

أما بعد: فهذه قواعد خمس عند اهل العلم للتعامل مع السنن المستحبة.

القاعدة الأولى يعمل بالسنة والنافلة ولو هجرها الناس: فلا تترك السنن والنوافل لأن الناس لا يعملون بها، أو أن بعض الناس يستهزئون بالمتمسك بهذه السنة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن من ورائكم أيام الصبر للمتمسك بهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم»([1]).

فحث على التمسك بالسنة والدين ولوتركها الناس. فلابد من إحياء السنن والجهر بها والدعوة إليها والصبر على ذلك كله، إذا لم تحيا السنن تفشوا البدع، ترك السنن يفضي إلى عدم معرفتها عند الناس، قال ابن القيم رحمه الله: ( لو تركت السنن لعمل الناس لتعطلت سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرست رسومها وعفت آثارها، كم من عمل قد اطرد بخلاف السنة الصريحة على تقادم الزمان إلى الآن، وكل وقت تترك فيه سنة ويعمل بخلافها ويستمر عليها العمل فتجد اليسير من السنة معمولا به على نوع تقصير، وخذ ما شاء الله من سنن قد أهملت فلو عمل بها من يعرفها لقال الناس تركت السنة) ([2]).

وقال الشاطبي رحمه الله: (عندما نظر في حال الناس، ونظر إلى السنن والنوافل التي تعلمها، قال: تردد النظر بين أن أتبع السنة على شرط مخالفة ما اعتاد الناس وبين أن أتبعهم على شرط مخالفة السنة والسلف الصالح، فرأيت أن الهلاك في اتباع السنة هو النجاة، وأن الناس لن يغنوا عني من الله شيئًا) ([3]). فيعمل بالسنة والنافلة ولو هجرها الناس.

القاعدة الثانية تبين السنة والنافلة ولا يخاصم عليها: المخاصمة هي المجادلة التي تورث الضغائن والعداوات بين المسلمين، الإسلام حذرنا من الخصومات ومن الجدال الذي يؤدي إلى العداوات والضغائن بين المسلمين، قال صلى الله عليه وسلم: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل»([4]). وقال الإمام مالك رحمه الله: (الجدال في الدين ينشئ المراء ويذهب بنور العلم من القلب ويقسيه ويورث الضغن) ([5]). فعلى طالب العلم وعلى المسلم أن يتمسك بالسنة وأن يبين للناس السنة ويقيم عليها الحجج، فإن لم يقبل منه قد أدى ما عليه.

قال الإمام أحمد رحمه الله: (أخبر بالسنة ولا تخاصم عليها). ([6])

قال الهيثم بن جميل تلميذ الإمام مالك رحمه الله، يقول: قلت لمالك: يا أبا عبد الله الرجل يكون عالما بالسنة، أيجادل عنها؟ قال: لا، ولكن يخبر بالسنة، فإن قبلت منه وإلا سكت.([7])

 وقال يونس الصفدي رحمه الله: ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوما في مسألة، ثم افترقنا، فلقيني فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخوانا ولو لم نتفق في مسألة؟ قال الذهبي تعليقا: هذا يدل على كمال عقل هذا الإمام، فما زال النظراء يختلفون. ([8])

وقال ابن تيمية رحمه الله لأولئك الذين يعادون من خالفهم في السنن والنوافل الاجتهادية قال: ( أما التعصب لهذه المسائل ونحوها فمن شعار الفرقة والاختلاف الذي نهينا عنه) ([9]). إذًا القاعدة الثانية بين السنة للناس ولا تخاصم، لا تجادل فيها، كما قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله. أخبر بالسنة ولا تخاصم عليها، إذا حصل الخصام فإنه يؤدي إلى الجدال والضغائن والعداوات وإلى رد السنة، فلا تجادل ولا تخاصم الناس، بين السنة، قل هذه سنة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن أخذ بها فقد ربح ومن ردها فهو خسران، إذًا هذه القاعدة الثانية، تبين السنة والنافلة ولا تخاصم عليها.

القاعدة الثالثة من قواعد التعامل مع السنن والنوافل: الموازنة بين المصالح والمفاسد عند إظهار سنة من السنن، الآن في مجالس الناس ضاعت كثير من السنن النبوية في شرعنا، فإذا علمت وبينت لا بد أن توازن بين المصالح والمفاسد، هذه قاعدة دلت عليها النصوص، درء المفاسد أولى من جلب المصالح. بيان السنة ونشرها مصلحة، لكن إذا ترتب على ذلك ولو مؤقت مفسدة كبيرة فأجل، اصبر، لا تبين إلى أن تذهب هذه المفسدة، فإذا تعارضت مفسدة ومصلحة قدم دفع المفسدة غالبا؛ لأن اعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات كما قال السيوطي([10]).

دليل هذه القاعدة: ما رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها، قال صلى الله عليه وسلم: «ولولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم لنظرت أن أدخل الجدر في البيت، وأن ألصق بابه بالأرض»([11]) هذا بناء الكعبة الحالي ليس هو بناء إبراهيم صلى الله عليه وسلم وإسماعيل، غيره الناس.

فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يغير، يهدم الكعبة ويدخل هذا الحجر الآن الذي في نصف دائرة يدخله داخل الكعبة وهي مصلحة كبيرة، لكن سيترتب عليها مفسدة كبيرة.

لذلك بوب البخاري رحمه الله على حديث عائشة قال: (باب ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيوقع في أشد منه). هذه قاعدة مهمة جدا لا بد أن ينتبه لها طلبة العلم إذا بينوا السنة في مجالس الناس، لكن هذا ليس على إطلاقه، سيأتي البيان أكثر.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تحت هذا الحديث: استفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة([12]). إذًا هناك موازنة بين المصالح والمفاسد عند إظهار السنن والنوافل للناس.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: يستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك هذه المستحبات، لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم تغيير بناء البيت لما في إبقائه من تأليف القلوب، كما أنكر ابن مسعود على عثمان رضي الله عنه إتمام الصلاة في السفر، ثم صلى خلفه متما وقال الخلاف شر. ([13])

ثم قال شيخ الإسلام رحمه الله: فالعمل الواحد يكون فعله مستحبا تارة وتركه تارة، باعتبار ما يترجح من مصلحة فعله وتركه بحسب الأدلة الشرعية والمسلم قد يترك المستحبات والنافلة إذا كان في فعله فساد راجح على مصلحته، لذلك استحب الأئمة أحمد وغيره أن يدع الإمام ما هو عنده أفضل، إمام الصلاة يترك ما هو عنده أفضل وراجح إذا كان فيه تأليف قلوب المأمومين مثل لو كان ممن يرى المخافتة بالبسملة،الإسرار بالبسلمة قبل الحمد لله رب العالمين يرى أنها أفضل أو الجهر بها أفضل حسب ما ترجح عنده وكان المأمومون على خلاف رأيه، ففعل المفضول عنده لمصلحة الموافقة والتأليف التي هي راجحة على مصلحة تلك الفضيلة، كان جائزا. ([14])

خلاصة هذا: مراعاة المصالح والمفاسد عند إظهار السنن ودعوة الناس إليها والنوافل، مراعاة المصالح والمفاسد لا ينفي ما سبق بيانه من العناية بالسنة والحرص عليها، وأن هذه القاعدة إنما تطبق لأمر عارض لا أن تهمل السنة، هذه لفتة مهمة جدا، هذا الأمر وازن بين المصالح والمفاسد عند إظهار السنة هذا لأمر عارض، لحالة معينة، لمجلس معين، لا أن تهمل السنة.

يجب إظهار السنة والنافلة، يكون تطبيقها لإمر عارض إلى أن يعلم المخالف، تقام عليه الحجة، لا أن تترك السنة بالكلية، فإن في ذلك مفسدة عظيمة بها يضيع شيء من شرع الله.

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: يجيء قوم يتركون من السنة مثل هذا، يعني مفصل الإصبع، فإن تركتموهم جاءوا بطامة كبرى، وأنه لم يترك أهل كتاب قط إلا كان أول ما يتركون السنة([15])

إذًا المفهوم الصحيح لهذه القاعدة هو على المسلم أن يظهر السنة للناس، فإذا ترتب على إظهارها مفسدة راجحة في وقت معين في حالة معينة، ليس على الإطلاق، الآن نظر هذا المسلم الذي يريد أن يظهر السنة ونظر في الحال والوضع، إذا أظهرت هذه السنة سيترتب على ذلك مفسدة، هناك من الجهال من المعاندين، من الأعداء، قد يفسد، قد يترتب على إظهارك للسنة المستحبة النافلة مفسدة كبيرة، فيترك هذه السنة مؤقتا حتى يعلم هذا المخالف، هذا الجاهل، حتى تقام عليه الحجة والبرهان، ويناصحه بالدعوة والحكمة والموعظة الحسنة، الجدال بالتي هي أحسن كما أمر الله عز وجل، فإذا علم من حال المخالف أنه دفع السنة ورفضها ورغب عنها إما تعصبا لمذهب أو اتباعا لمنهج فإن السنة تقام ولا يبالَى بالمخالف حينئذ، والمصلحة الكبرى التي نريد إبقاءها إنما هي المودة بين أهل السنة، كذلك تلافي وقوع البغضاء والعداوة بينهم، إذا كان المخالف راغبا عن السنة سقطت مودته، لكن بعد أن يعلم برفق وتقام عليه الحجة.

والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «من رغب عن سنتي فليس مني» ([16])، أذكر في هذا المقال على هذه القاعدة وهذه الضوابط التي ذكرناها مرة من المرات في صلاة الجنازة، رجل ذكرنا له أن السنة والأفضل في صلاة الجنازة الصلاة خارج المسجد كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، هناك موضع خارج المسجد هو موضع الجنائز يصلي هناك صلى الله عليه وسلم غالب صلاته، يجوز داخل المسجد، لكن السنة خارج المسجد.

بينا له وعاند، فبينا له لأنه كان يجهل، فبينا له السنة، ذكرنا له الأدلة، أن السنة صلاة الجنازة خارج المسجد، لكنه رفض، وعاند وأبى بعد أن بينا له السنة، فلم نبالي به، وخرجنا خارج المسجد وصلينا صلاة الجنازة على السنة خارج المسجد، وكنت الإمام في تلك الصلاة.

المهم أن انتصرت السنة في هذا الموقف لأنه ظهر العناد، لكن لو هناك ترتبت مفسدة أكبر وبينة فيصلى في المسجد، الموازنة بين المصالح والمفاسد عند إظهار سنة من السنن قاعدة مهمة.

القاعدة الرابعة ينكر على مخالف السنة الثابتة الصريحة التي ليس للاجتهاد فيها مساغ:

سنة واضحة صحت فيها الأحاديث، هذا يخالف السنة ينكر عليه، لماذا لم تعمل بالسنة؟ اعمل بالسنة، كذلك من خالف إجماع الأئمة والعلماء، ينكر عليه أيضًا. فالمعيار هو الكتاب والسنة الثابتة الصحيحة، دليلها واضح صريحة الدلالة على أنها سنة، كل من خالف ذلك يجب الإنكار عليه بالضوابط الشرعية المعروفة.

قال الإمام النووي رحمه الله: لا ينكر محتسب ولا غيره على غيره إذا لم يخالف نصا أو إجماعا أو قياسا جليا، أما إذا خالف فينكر عليه.([17])

يفهم من كلام الإمام النووي أن للمحتسب الذي يبين ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر له حق الإنكار والاعتراض على من خالف ذلك.

قال ابن القيم رحمه الله: إذا كان القول يخالف سنة أو إجماعا شائعا وجب إنكاره اتفاقا، أما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيه مساغ لم تنكر على من عمل بها مجتهدا أو مقلدا. ([18])

ثم ذكر ابن القيم رحمه الله أمثلة قال: (والمسائل التي اختلف فيها السلف والخلف قد تيقنا صحة القولين، مثل كون الحامل تعتد بوضع الحمل، وأن إصابة الزوج الثاني شرط لحلها للأول، وأن الغسل يجب بمجرد الإيلاج ولو لم ينزل، وأن المسلم لا يقتل بكافر، وأن رفع اليدين عند الركوع والرفع منه سنة)([19]).

إذًا يجب الأمر بما هو معروف من معروفات الشرع، ومعيار ذلك الكتاب والسنة بالضوابط الشرعية التي ذكرناها، هذه القاعدة الرابعة: ينكر على مخالف السنة النافلة الثابتة التي ليس للاجتهاد فيها مساغ.

القاعدة الخامسة لا يعمل بما ورد حتى يثبت روايته، ويتأكد من صحة الاستنباط وسلامة الاستدلال به: لأن كثيرا من الناس يقول هذه سنة لكنها جاءت في حديث ضعيف، والحديث الضعيف لا يعمل به في الأحكام الشرعية، لا يستدل به.

القاعدة هنا تقول: لا يعمل بهذا الذي ورد حتى يثبت، يكون حديثا مقبولا، ويتأكد من صحة الاستنباط وسلامة الاستدلال به، فإذا نقلت إلينا سنة، من الناس من قال هذه سنة نطلب منه الدليل، ولا بد أن يكون هذا الدليل صحيحا ثابتا، بل هذا الدليل صريحا في الاستدلال به، سليما عند الاستدلال به، يدل على أن هذه سنة.

إذًا التأكد من صحة سندها، ومتنها بإعمال القواعد الحديثية على إسنادها، وإما بتقليد أحد أئمة هذا الشأن.

قال الشيخ زكريا الأنصاري رحمه الله: طريق من أراد الاحتجاج بحديث من السنن والمسانيد له إن كان متأهلا لمعرفة ما يحتج به من غيره فلا يحتج به حتى ينظر في اتصال إسناده وحال رواته، وإلا فإن وجد أحدا من الأئمة صححه أو حسنه فله تقليده وإلا فلا يحتج به. ([20])

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: لا يجوز أن يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة ولا حسنة، ولم يقل أحد من الأئمة أنه يجوز أن يجعل الشيء واجبا أو مستحبا بحديث ضعيف، ومن قال هذا فقد خالف الإجماع.([21])

أخيرا: علينا أن نعتني بالسنة والنوافل والإكثار من النوافل وإظهار السنة، نتعلم سنن النبي صلى الله عليه وسلم ، نعمل بها، ندعو الناس إليها بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، يُعمل بالسنة ولو هجرها الناس، تبين السنة ولا يخاصم عليها، يراعى الضوابط الشرعية عند الإنكار على مخالف السنة الصريحة الثابتة، لا بد من التثبت مما ورد من السنة، ولا بد من صحة الاستدلال بها والرجوع إلى فهم سلفنا الصالح وأئمة الإسلام.

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 


 

([1]) صحيح: أخرجه المروزي في "السنة" (33) , والطبراني (289) , وفي "الأوسط" (3121) , وفي "مسند الشاميين" (17(

([2]) إعلام الموقعين في المجلد الثاني (395)

([3]) في الاعتصام المجلد الأول (34)

([4])حسن: أخرجه الترمذي حديث:‏3256‏,وأخرجه ابن ماجه حديث:‏47‏صحيح الجامع (5633)

([5])سير أعلام النبلاء المجلد الثامن 106

([6])طبقات الحنابلة في المجلد الأول 236.

([7]) رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم، المجلد الثاني 94.

([8]) سير أعلام النبلاء، المجلد العاشر 16.

([9]) مجموع الفتاوى (22/405).

([10]) الأشباه والنظائر (87).

([11]) أخرجه البخاري حديث:‏1519‏.

([12])فتح الباري في المجلد الأول 224

([13])الفتاوي مجلد 22/407.

 ([14]) الفتاوي المجلد: 24/195.

([15])رواه اللالكائي بسند صحيح، في شرح أصول اعتقاد أهل السنة في المجلد الأول 91.

 ([16]رواه البخاري وغيره وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة حديث:‏51‏, ظلال الجنة (61)

([17])شرح صحيح مسلم المجلد الثاني 24.

([18])إعلام الموقعين المجلد الثالث 300.

([19])إعلام الموقعين المجلد الثالث 302.

 ([20])كتاب فتح الباقي على ألفية العراقي، مجلد الأول صفحة 160.

 ([21])الفتاوي المجلد الأول 250.

 

 

  • Twitter
  • Facebook
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Android App
  • IPhone App