هل تُقضَى الصلواتُ الفائتةُ عمداً | شبكة بينونة للعلوم الشرعية

هل تُقضَى الصلواتُ الفائتةُ عمداً


نسخة (PDF)نسخة (PDF)
التصنيفات
القسم: 
القسم: 
القسم: 

    الحمد لله رب العالمين والصلاةُ والسلامُ علي خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم ، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم  أما بعد،،

المقدمـــة

      فليس من خلُق المسلم أن يتعمَّدَ قطع الصلةِ بينه وبين خالقه عزّ وجلَّ، وممّا لا شك فيه أن تاركَ الصلاةِ عمداً حتى يخرجُ  وقتُها قد قطع هذه الصلةَ.

 فعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : " بين الرجل وبين الكفرِ تركُ الصلاة "([1]).

 وعن عبد الله بن شقيق رضي الله عنه قال ( كانَ أصحابُ محمد  صلى الله عليه وسلم  لا يرونَ شيئاً من الأعمال تركُه كفرٌ غيرَ الصلاة )([2]).

 وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : أوصاني خليلي  صلى الله عليه وسلم  أن ( لا تشرك بالله شيئاً وإن قطَّعتَ أو حُرّقتَ، ولا تترك صلاة مكتوبةً متعمداً، فمن تركها متعمداً فقد بَرئتْ منه الذمَّةُ ... )([3]).

 وعن نوفل بن معاوية رضي الله عنه أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال ( من فاتته صلاةٌ ، فكأنما وترَ أهلَه ومالَه )([4]).

روى البخاريَّ حديث سمرة عن جندب رضي الله عنه قال: كان رسولُ الله  صلى الله عليه وسلم
 ممَّا يكثرُ أن يقول لأصحابه "هل رأى أحدٌ منكم من رؤيا ؟ فيقصُّ عليه من شاء اللهُ أن يقُصَّ وإنه قال لنا ذات غداةٍ : " إنه أتاني الليلةَ اثنان، وإنهما ابتعثاني، وإنّهما قالا لي : انطلقْ ، وإني انطلقتُ معهما ، وإنّا أتينا على رجلٍ مضطجع وإذا آخرُ قائمٌ عليه بصخرةٍ ، وإذا هو يهوي بالصخرةِ لرأسه فيثلغُ رأسه ، فَيَتَدهْدَه الحجرُ ، فيأخذُه ، فلا يرجع إليه حتى يصحَّ رأسُه كما كان ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل المرّةَ الأولى)([5]).

 ثم قال في آخر الحديث ( أما الرجلُ الذي أتيتَ عليه يُثلغُ رأسُه بالحجر ، فإنه الرجلُ يأخذُ القرآن فيرفضُه ، وينامُ عن الصلاةِ المكتوبة )([6]).

 قال ابنُ حزم رحمه الله( وقد جاء عن عُمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وغيرِهم من الصحابةِ رضي الله عنهم أن من ترك صلاةَ فرضٍ واحدةٍ متعمداً حتى يخرج وقتها فهو كافرٌ )([7])

       فتاركُ الصلاةِ عمداً حتى يخرج وقتها قد ارتكب كبيرةً من الكبائر وليس له عند الله عهدٌ ، وكثيرٌ من العلماء قال أنه كافرٌ كفراً مخرجاً من الملّة وهذا مذهبُ أحمد وغيرهِ من العلماء  قال الإمام النوويُّ رحمه الله ( فرعٌ في مذاهب العلماء فيمن ترك الصلاةَ تكاسلاً مع اعتقاده وجوبَها ، فمذهبنا المشهور أن يقتل حداً ولا يكفّرونه ، قال به مالكٌ والأكثرون من السلف والخلفِ ، وقالت طائفةٌ يكفُر ويجري عليه أحكامُ المرتدين في   كل شيء ... )([8]).

فما هو حكمُ قضاءِ الصلواتِ الفائتةِ عن وقتها، إذا تركها عمداً؟

اختلف العلماء في هذه المسألةِ على قولين :

قال ابنُ رجب رحمه الله ( وأما تركُ الصلاةِ متعمداً: فذهب أكثرُ العلماء إلى لزوم القضاء له ، ومذهبُ الظاهريّةِ أو أكثرهم أنه لا قضاء على المتعمّد وذكرا آثاراً عن السلف أنه لا قضاء عليه)([9]) .

قال ابنُ تيمية رحمه الله( أن تارك الصلاةِ عمداً لا يشرع له قضاؤها ولا تصح منه ، بل يُكثرُ من التطوّع وكذا الصوم ، وهو قولُ طائفةٍ من السلف كأبي عبد الرحمن صاحب الشافعي وداود بن علي وأتباعه ، وليس في الأدلّةِ ما يخالفُ هذا ، بل يوافقُه)([10]).

 وقال ابنُ تيمية رحمه الله ( فيه قولان للعلماء في مذهب أحمد ومالك وغيرهما ، قيل : يجبُ عليه القضاءُ وهو المشهورُ عن أصحاب الشافعي وكثيرٍ من أصحاب أحمد ، وقيل : لا يجبُ عليه القضاءُ وهذا هو الظاهرُ ) ([11]).

فيظهرُ ممَّا سبق أن المسألة من المسائل الخلافية بين أهل العلم وليس فيها إجماع ، وسنذكر القولين في المسألة مع أدلّتهما ثم الترجيحَ بينهما .

القـول الأول: منَ ترك صلاةً واحدةً متعمداً حتى فاتَ وقتُها لا يقضيها ، وإذا قضاها لا تقبلُ منه ، وإنما عليه التوبةُ والإكثارُ من النوافل فقط : وهذا هو مذهبُ كثيرٍ من السلفِ واتباعِ المذاهبِ وأهلِ الحديث .

 وقد ذكر ابنُ رجب رحمه الله([12]) (منهم الحسنَ البصري وداودَ بن علي وأبا بكر الحميدّي وغيرَهم)، وذكر ابنُ تيمية رحمه الله أنه قولُ طائفةِ من السلف كأبي عبد الرحمن صاحب الشافعي، ثم رجَّح هذا القول.([13])

قال الحسن البصري رحمه الله ( إذا ترك الرجلُ صلاةً واحدة متعمداً فإنَّه لا يقضيها )([14]).

قال أبو بكر الحميديُّ رحمه الله في الصوم والصلاة: ( إذا تركها عمداً أنه لا يُجزئُه قضاؤهما)([15]).

* قال ابنُ رجب عن كلام الحميدي رحمهم الله: ووقع مثلُه في كلام الجوزجاني والبربهاري وابن بطّة ثم قال : ( قال ابنُ بطة: اعلم أن للصلاةِ أوقاتاً ، فمن قدّمها على وقتها فلا فرضَ له من عذرٍ وغيرِه ، ومن أخّرها عن وقتها مختاراً لذلك من غيرِ عذرٍ فلا فرض له ،  وقال البربهاريُّ رحمه الله: الصلواتُ لا يقبلُ اللهُ منها شيئاً إلا أن تكونَ لوقتها إلا أن تكون نسياناً)([16])  وقد نصَّ الإمام أحمد رحمه الله في روايةِ ابنه عبد الله : على أن المصلِّي لغير الوقت كالتارك للصلاةِ في استتابتهِ وقتلِه ، فكيف يؤمرُ بفعلِ صلاةٍ حكمُها حكمُ ترك الصلاةِ ).

 ثم قال ابنُ رجب رحمه الله بعد ذلك ( وقد وردت آثارٌ كثيرةٌ عن السلف في تارك الصلاةِ عمداً أنه لا يقبلُ منه صلاةٌ، ثم ذكر قولَه  صلى الله عليه وسلم  
( ثلاثةٌ لا تقبلُ لهم صلاةٌ ) ذكر منها ( الذي لا يأتيِ الصلاةَ إلا دباراً )([17])عني بعد فوات الوقت– قلتُ : هو([18]).

 ثم قال رحمه الله ( ولاُ يعرفُ عن أحدٍ من الصحابةِ في وجوبِ القضاءِ على العامدِ شيءٌ ، بل ولم أجدْ صريحاً عن التابعين أيضاً فيه شيئاً إلا عن النخعي .. )([19]).

قال ابنُ حزم رحمه الله (تاريخ 456 هـ ): وأمّا من تعمّد تركُ الصلاةِ حتى خرج وقتُها فهذا لا يقدرُ على قضائها أبداً ، فليكثر من فعل الخيرِ وصلاةِ التطوّع ، وليتب وليستغفر الله عز وجل ، وذكر مذاهب العلماء والسلف والأدلّةَ النقليةَ والعقلية على ما ذهب إليه )([20]).

 قال الشيخ الألباني رحمه الله: ( من لم يدرك من صلاتِه شيئاً قبل خروج الوقت فإنه لا صلاةَ له، ولا هي مبرئةٌ للذمّةِ ، وليس ذلك إلاّ من باب الزجر والردع  له عن إضاعة الصلاةِ )([21]).

وللإمام ابن القيمِّ رحمه بحثٌ مفصّلٌ في هذه المسألةِ ردَّ على القائلين بالقضاء على المتعمّد – إعلامُ الموقعين – فصل إبطال القياس .

وقال الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار( ولم أقف للموجبين للقضاء على العامد على دليلٍ ... )([22]).

 هذه بعضُ أقوال من قال بهذا القول ، فإلى أدلَّتهمِ على عدم القضاء للمتعمد.

أدلّـةُ هـذا القـول :

1) عن أنسٍ رضي الله عنه عن النبيِّ  صلى الله عليه وسلم   قال ( من نسيَ صلاةً ، فليصلِّ إذا ذكرها، لا كفارةَ لها إلاّ ذلك ) وأقمِ الصلاةَ لذكري (([23]).

 قال ابنُ حجر رحمه الله ( كذا في جميع الروايات بحذف المفعول ، ورواه مسلم بلفظ ( فليصلها ) وهو أبينُ للمراد، وزاد مسلمٌ أيضاً
( أو نام عنها )، وقد تمسَّك بدليل الخطاب منه القائلُ إنّ العامدَ لا يقضي الصلاةَ ، لأن انتفاءَ الشرطِ يستلزم انتفاءَ المشروط، فيلزمُ منه أنّ من لم ينسَ لا يصلي، بل يقولُ : إنّه لو شرع له القضاءُ لكان هو والناسي سواء ، والناسي غيرُ مأثوم بخلاف العامدِ فكيف يستويان ؟ )
([24]) انتهى كلامه رحمه الله.  

قلتُ: وللحديث ألفاظٌ أخرى ذكرها الألبانيُّ رحمه الله في إرواء الغليل تحت حديث (263) منها: ما رواه ابنُ أبي شيبة بإسنادٍ صحيح بلفظ ( من نام عن صلاةٍ أو نسيَ صلاةً فليُصلِّها إذا ذكرها وإذا استيقظ )، وفي لفظ ( من نسي صلاة فوقتُها إذا ذكرها )

 قال صدِّيق حسن خان رحمه الله(والحقُّ أن ذلك هو وقتُ الأداءِ لا وقتُ القضاء للتصريح منه صلى الله عليه وسلم أن وقت الصلاةِ المنسيةِ أو التي نام عنها المصلَّى وقتُ الذكر)([25]).

 وقال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية رحمه الله ( فإنَّه مأمورٌ أن يفعلها في ذلك الوقتِ بحيث لو أخرها عنه عمداً كانَ مضيِّعاً مفرطاً ، فإذا اشتغل عنها بشرطها كتحصيل ماءِ الطهارةِ أو ثوبِ استعارةِ بالذهاب إلي مكانه ونحو ذلك لجاز تأخيرها عن الوقت )([26])

2) قولُه  صلى الله عليه وسلم  ( من أدرك من العصر سجدةً قبل أن تغربَ الشمسُ أو من الصبح قبل أن تطلع فقد أدركها )([27]).

وفي لفظ آخر صحَّحه الألباني رحمه الله بطرقه في: قال  صلى الله عليه وسلم  ( إذا أدركَ أحدُكم أوّلَ سجدةٍ من صلاةِ العصر قبل أن تغربَ الشمسُ فليُتم صلاته، وإذا أدرك أول سجدةِ من صلاةِ الصبح قبل أن تطلع الشمسُ فليُتم صلاته ). قال الشيخ الألباني رحمه الله ( إنّ الحديثَ إنما هو فـي المتعمِّد تأخيرَ الصلاةِ إلى هذا الوقتِ الضيِّقِ، فهو على هذا أثمٌ بالتأخير وإن أدرك الصلاةَ لقوله  صلى الله عليه وسلم
( تلك صلاة المنافقِ ، يجلسُ يرقبُ الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطانِ، قام فنقرها أربعاً، لا يذكر  الله فيها إلا قليلاً ) ([28]).

 ثم قال : ومعنى قوله ( فليتم صلاتَه ) أي لأنه أدركها في وقتها وصلاّها صحيحة وبذلك برئت ذمَّتُه ، وأنه إذا لم يدرك الركعةَ فلا يُتمُّها لأنها ليست صحيحة بسبب خروج وقتها ، فليست مُبرئةً للذمَّةِ، ولا يخفى أنّ مثله من لم يدرك من صلاتِه شيئاً قبل خروج الوقت فإنه لا صلاة له ، وليس ذلك إلاّ من باب الزجر والردع له عن إضاعةِ الصلاةِ ، فلم يجعل الشارعُ الحكيمُ لمثله كفارةً كي لا يعود إلى إضاعتِها مرَّةً أخرى) انتهى كلامه([29]).

3) حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  كانَ يقولُ :
" ثلاثةٌ لا يقبلُ اللهُ منهم صلاةً : من تقدّم قوماً وهم له كارهون ، ورجلٌ أتى الصلاةَ دباراً – والدبارُ : أن يأتيها بعد أن تفوته ، ورجلٌ أعتبدَ مُحرَّرَهُ )([30]).

والحديث واضحُ الدلالةِ على عدم قبول من صلَّى الفائتةَ متعمداً .

4) عن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن النبيِّ  صلى الله عليه وسلم  أنه قال: " أولُ ما يحاسبُ به العبدُ يوم القيامةِ من عمله : الصلاةَ ، فإذا صلحت فقد أفلح وأنجح ، وإن فسدت فقد خابَ وخسر، وإن انتقص من فريضةٍ شيئاً قال الربُّ تبارك وتعالى " انظروا هل لعبدي من تطوّع؟ " فيُكمَّلُ بها ما اتنقص من الفريضةِ ، ثم يكونُ سائرُ عمله على ذلك "([31]).

 قال ابنُ رجب رحمه الله([32]) ( وردت أحاديثُ كثيرةٌ تدلُّ على أن نقصَ الفرائضِ يُجبَرُ من النوافل يوم القيامة – وذكر حديثَ أبي هريرة – ثم قال – واختلف الناسُ في معنى تكميل الفرائض من النوافل ، فحمله آخرون على العامدَ وغيرِه وهو الأظهرُ إن شاء الله ).

 قلتُ : ذكر ذلك استدلالاً على أن الذي ضيَّع الصلاةَ عن وقتها متعمداً ليس عليه القضاء وإنما التوبةُ ورجاءُ أن تُجبَرَ من النوافل يوم القيامة .

5) قال الله تعالى (فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٥ [التوبة:5]

 قال صديق حسن خان رحمه الله ( فتاركُ الصلاةِ إن تاب وأنابَ وجب علينا أن نخليَ سبيلَه ، وإن لم يتب قتلناه – حكمُ الله ومن أحسنُ من الله حكماً )([33]) انتهى .

 فالتوبةُ تكفي لمن ترك الصلاة، ولم يأمرْه اللهُ بالقضاء لأنه تركها عمداً .

6) أدلّةٌ عقليةٌ ذكرها ابنُ حزم رحمه الله قال([34]): ( نسألُ من أوجب على العامدِ قضاءَ ما تعمَّد تركَه من الصلاة : أخبرْنا عن هذه الصلاة التي تأمره بفعلها ، أهي التي أمره الله بها ؟ أو هي غيُرها ؟ فإن  قالوا : هي ، قلنا لهم : فالعامدُ لتركها ليس عاصياً لأنه قد فعل ما أمره الله ولا إثم عليه ولا ملامة وهذا لا يقولُه مسلمٌ ، وإن قالوا : ليست هي التي أمره الله بها ، قلنا : صدقتُم وفي هذا كفاية    ثم نسألهم عمن تعمَّد ترك الصلاةِ بعد الوقت : أطاعةٌ هي أم معصية ؟ فإن قالوا : طاعة ، خالفوا الإجماعَ والقرآن والسنن الثابتة ، وإن قالوا : هو معصيةٌ ، صدقُوا ، وأيضاً: فإن الله قد حدَّ أوقات الصلاة على لسان رسوله وجعل لكل وقتِ صلاةِ منها أولاً وآخراً ، وهذا لا خلاف فيه ، فلو جاز أداؤها بعد الوقت لما كانَ تحديده عليه السلام أخرَ وقتها معنى ولكان لغواً، وأيضاً : لو كانَ القضاءُ واجباً على العامدِ لترك الصلاةِ حتى يخرج وقتُها لما أغفل الله تعالى ولا رسولُه ذلك ، ولا نسياه ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴿٦٤ [مريم:64]، وكلُّ شريعةٍ لم يـأت بها القرآنُ ولا السنّةُ فهي باطلة ثم ذكر آثاراً عن الصحابةِ والتابعين تدلّ على ما ذهب إليه، ثم قال : فثبت يقيناً أنه لا يمكنُ القضاءُ فيها أبداً واللـه أعلـــم .

القولُ الثاني : من ترك الصلاةَ متعمداً حتى فات وقتُها فيجبُ عليه القضاءُ مع التوبةِ .

ذكره ابنُ رجب رحمه الله([35]) أنه قولُ أكثر العلماء ومنهم من يحكيه إجماعاً .واستدلوا بما يلي :

1- القيـاسُ : قالوا : أمر المعذورُ بالنوم والنسيان بالقضاء ، فغيرُ المعذور أولى إشارة لحديث ( من نسي صلاةً أو نام عنها فليصلِّها إذا ذكرها ، لا كفارة لها إلا ذلك )([36]).

والجوابُ على الاستدلال  :

* قال ابنُ رجب رحمه الله ( وفي هذا الاستدلال نظرٌ ، فإنّ المعذورَ إنمّا أمره بالقضاء لأنه جعل قضاءه كفارةً لها ، والعامدُ ليس القضاءُ كفارةً له فإنه عاصٍ تلزمُه التوبةُ من ذنبه بالاتفاق ، ولهذا قال الأكثرون : لا كفارةَ على قاتل العمد ولا على مَنْ حلف يميناً متعمداً فيها الكذب لأنّ الكفارةَ لا تمحُو ذنبَ هذا ، وأيضاً إنّ القضاءَ إنما يجبُ بأمرٍ جديدٍ ، فلا دليل على إلزام العامدِ بالقضاء  فإنه ليس لنا أمرٌ جديدٌ يقتضي أمرَهُ بالقضاء كالنائُم والناسي)([37]) .

* قال صدّيق حسن خان رحمه الله( والحق أنه لابد من دليل جديد ، لأن إيجاب القضاءَ هو تكليفٌ مستقلٌ غير تكليف الأداء ، ومحلُّ الخلافِ هو الصلاةُ المتروكةُ لغير عذرٍ عمداً ... )([38])

* قال الشيخ الألبانيُّ رحمه الله: ( إنّ قول بعضِ المتأخرين ( إذا كانَ النائمُ والناسي للصلاةِ يقضيانها بعد خروج وقتها ، كانَ المتعمدُ لتركها أولى)([39]) أنه قياسٌ خاطئٌ لأنه من باب قياس النقيض على نقيضه وهو فاسدٌ بداهةً ، إذ كيف يصحُّ قياسُ غيرِ المعذور على المعذور، والمتعمِّدِ على الساهي ، ومن لم يجعل اللهُ له كفارةً على من جعل اللهُ له كفارةً ‍؟.

 ثم قال: وللعلامةِ ابن القيمِّ رحمه الله بحثٌ هامٌ مفصَّلٌ في هذه المسألةِ أنقُل منه فصلين : قال رحمه الله – أي ابنَ القيمِّ – بعد أن ذكر القولَ المتقدّم :  فجوابُه من وجوهٍ :

أحدهما : المعارضةُ بما هو أصحُّ منه أو مثلُه وهو أن يقال : لا يلزمُ من صحَّةِ القضاءِ بعد الوقتِ من المعذور صحَّته وقبولَه من متعدٍّ لحدود الله مضيِّعٍ لأمره ، فقياسُ هذا على هذا في صحّةِ العبادةِ وقبولها منه من أفسد القياس .

 ثانيها : أن المعذور بنوم أو نسيانٍ لم يصلِّ الصلاة في غير وقتها، بل في نفس وقتها الذي وقّته اللهُ له فإن الوقت في حق هذا حين يستيقظ ويذكر، فكيف يقاسُ عليه من صلاها في غير وقتها عمداً ؟ 

 ثالثُها : إنّ الشريعةَ قد فرَّقت في مواردها ومصادرها بين العامد والناسي وبينِ المعذور وغيرِه فإلحاقُ أحدِ النوعين بالآخرِ غيرُ جائز .

رابعها : أنّا لم نسقطها عن العامد المفرّط إلا على وجهٍ لا سبيل له إلى استدراكها تغليظاً عليه )([40]).

وكذلك ابنُ حزم رحمه الله ردّ على الاستدلال بهذا القياس([41])

قال الشيخ عبد الرحمن عبد الصمد رحمه الله([42]): ( ومن المعلوم لدى جميع المسلمين أن جميع العبادات والقرباتِ لا يقاسُ بعضُها على بعضٍ ، ولا تؤخذُ بالأقيسةِ والآراء ، وإنما تؤخذُ من كتاب الله ومن السنّةِ الصحيحةِ الصريحةِ ، وحسبنا ما قاله ابنُ كثيرٍ :
( وبابُ القربات يُقتصرُ فيه على النصوص ولاُ يتصرفُ فيه بأنواع الأقيسةِ والآراءِ ).

ثم ردّ على الاستدلال بالقياس في هذه المسألة وقال: إنّ هذا القياس مردودٌ حكماً وباطلٌ شرعاً ، وليس من قياس الأولى وإنما هو من قياس الأضداد وخلاف الأولى، ثم قال: النائمُ والناسي كُلِّفا بقضاء ما فاتهما بنصٍّ ، أما التاركُ لها عمداً لم يؤمر بالقضاء ، والنائمُ والناسي لا إثم عليهما ، أما التارك لها عمداً فإنه أثمٌ قلبهُ وليس له كفارة ، والنائمُ والناسي ليسا بمفرّطين ، أما التارك لها عمداً فهو مفرِّط ، والنائم والناسي عن صلاة العصر لم يحبط عملهما ، أما التارك لها عمداً فقد حبط عملُه ، والنائم والناسي لم يكفرا ولم تبرأ منهما الذمّةُ ، أما التارك لها عمداً فكذلك ، فلا يقاسُ هذا على هذا) انتهى كلامه رحمه الله .

2- واستدلوا بحديث ابن عباس رحمه الله أن امرأةً جاءت إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالت : إنّ أميِّ نذرت أن تحجَّ فلم تحجَّ حتى ماتت ، أفأحُجُّ عنها ؟ قال : نعم حُجِّي عنها ، أرأيتِ لو كان على أُمُّكِ دَينٌ أكنتِ قاضيَتَه ؟ اقضُوا اللهَ ، فاللهُ أحقّ بالوفاء )([43]). قالوا هذا دليلٌ على وجوب القضاء على تارك الصلاةِ عمداً قياساً على قضاء الحجج .

والجوابُ :  قال الشيخ عبد الرحمن عبد الصمد ( وهذا أيضاً لا حجةَ لهم فيه البتةَ فهذا الحديثُ ورد في سياق الحج ولا علاقة له بالصلاةِ ، والحجَّ عن أهل الأعذارِ كمن نذر عن الحج أو عزم عليه وأدركه الموتُ أو أصابه مرضٌ فأقعده ، فهؤلاءِ باتفاق الأمَّةِ أنه يُحجُّ عنهم لما ورد في الأحاديثِ الصحيحةِ بذلك ، وأن الحج والصيام وردت بهما النصوصُ بأنهما يُقضيان عن الغيرِ بأمرٍ من النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، بسبب الموت أو المرض أو الهرم ونحوه أمَّا الصلاةُ فهي مفروضةٌ على الأعيانِ لا تسقط عنهم بحالٍ من الأحوال، ولم ينقل عن أحد من الصحابةِ والأئمةِ أنّ أحداً صلَّى عن أحدٍ ... فلا يجوزُ والحالةُ هذه أن يقاسَ قضاء الصلوات المتروكة عمداً على قضاءِ الصوم والحج عن أهل الأعذارِ)([44]).

3- واستدلوا بالحديث الذي (أن النبي  صلى الله عليه وسلم  أمر المجامع في نهار رمضان عمداً بالقضاء)([45]) قالوا : على المصلّي الذي فوّت الصلاة عامداً يقضيهَا كالمجامع في رمضان عمداً .

والجوابُ: قال ابنُ رجب رحمه الله ( يفرّقُ بين ترك الصلاةِ والصيام ، ومن دخل فيهما ثم أفسدَهما ، فالثاني عليه القضاءُ كمن فسد حجُّه ، والأول كمن وجب عليه الحجُّ ولم يحُجَّ وإنما أمره أن يُحجَّ بعد ذلك لأن الحجَّ فريضةُ العمر )([46])  قلتُ : قد أمر رسوُل الله صلى الله عليه وسلم المجامعَ في رمضان عمداً بالقضاء ، فهل أمر العامدَ تأخيرَ الصلاةِ بالقضاءِ ؟

4- ومن  أدلَّتهم على وجوب القضاء : حديث قصةِ الخندقِ عندما شُغلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاةِ العصرِ ، فصلاّها بعد غروب الشمس – رواه مسلمٌ وغيرُه . قالوا : قضى الصلاةَ بعد فواتِ وقتها.

والجوابُ : قال الشيخ عبد الرحمن عبد الصمد رحمه الله([47])( لا مُتمسَّك لهم بالاستدلال بها على وجوب القضاء لعدّةِ أمورٍ :

 الأول : أنه لم يشرع للمسلمين قضاءُ الصلواتِ الفائتةِ إلا في ثلاثة أحوالٍ : للنائمِ ، والناسي ونحوهما كالمغمى عليه والسكران ، والمشغولِ عنها بعمل لا يمكنُه من أدائها في وقتها كما حصل مع النبيِّ والصحابةِ في حفر الخندق وذلك قبل نزول صلاة الخوف ، فبناءً على ذلك فإن قضاءَ الصلاةِ لمن يُشغلُ عنها قد نسخ فلا مسوِّغَ للاحتجاج بها .

الثاني: أن النبيِّ صلى الله عليه وسلم لم يتركها عمداً ، إنما تركها عن شُغل وهو القائلُ: ( شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاةِ العصر) فلا يقاسُ من تركها متعمداً فارغاً صحيحاً على من تركها لشُغل في سبيل الله .

 الثالثُ : أن التارك لها عمداً قد أثمَ وحبط عملُه وبرأت منه الذمَّةُ ، وأمّا رسول الله  صلى الله عليه وسلم  عندما تركها لشغل شغله في سبيل الله لم يأثم ولم يحبط عملُه ، فلا يقاسُ ذلك على هذا وبذلك يسقط الاستدلالُ بالقصةِ على وجوب القضاء على التارك المتعّمد .

5- ومن أدلَّتهم : حديثُ عمران بن حُصين رضي الله عنه في نومهم عن الصلاةِ ، قال فيه ( حتى إذا استيقظ رسولُ الله  صلى الله عليه وسلم   رأى الشمسَ قد بزغت ، قال : ارتحلُوا ، فسارَ حتى ابيضت الشمسُ نزل فصلَّى بنا الغداةَ  الحديث)([48]) قالوا : يجوزُ قضاءُ الفائتةِ لأنه أخّرها بعد الاستيقاظ .

الجواب : قال ابنُ كثير رحمه الله( استدل به على جواز قضاءِ الفائتةِ وفيه نظر  إذْ يحتملُ أنَّ التأخيرَ كانَ لعذرٍ من زمانٍ أو مكانٍ أو غيرِ ذلك والله أعلم)([49])

فتبّين ممَّا سبق : أن القولُ الراجح في هذه المسألة هو القولُ الأولُ وهو أن من ترك صلاةً متعمداً حتى فات وقتهُا لا يقضيها ، وإنما عليه التوبةُ والإكثارُ من النوافل فقط  . والله أعلم.

 

·   جميع ما سبق ينطبقُ على الفرائض والنوافل معاً .

مسألةٌ : إذا فاتت النوافل عن وقتها بغير عذر لا تقضى كالفرائض على الراجح ، لعموم قوله  صلى الله عليه وسلم  ( من نام عن صلاةٍ أو نسيها ... )

مسألةٌ : إذا فاتت النوافل والرواتب عن وقتها بعذر فمتى تُقضَى ؟  فيها قولان :

 الأول : إنها تقضى إذا استيقظ من نومه أو ذكرها أو انتهى من شغله كالفرائض ، ولو كانت في الأوقات المنهية لأن لها سبباً : قال ابنُ رجب رحمه الله([50]): والمشهور عند أكثر أصحابنا أنَّ الحكمَ يتعدّى إلى قضاء جميع السنن الرواتب في جميع أوقات النهي ) وهذا هو الراجحُ والله أعلم والرسولُ أقرَّ الذي صلَّى السنّة بعد صلاة الصبح وكذلك قضى سنّةَ الصبح مع الفريضةَ بعد طلوع الشمس ، وكذلك حديث ( من نسي وتره فليصله إذا ذكره )([51]).

 الثاني : أنها تقضى بعد العصر فقط : قال البخاريُّ رحمه الله في صحيحه باب (33) من كتاب مواقيت الصلاة : بابُ ما يُصلَّى بعد العصر من الفوائتِ ونحوها ثم ذكر عن أم سلمة رضي الله عنها  ( صلَّى النبيَّ بعد العصر ركعتين وقال :  شغلتني ناسٌ من عبدِ القيس عن الركعتين بعد الظهر )([52]).

  قال ابنُ رجب رحمه الله: ومقصودُ البخاريّ بهذا الباب أنه يجوزُ قضاءُ الفوائت من النوافل الراتبةِ فيما بعد العصرِ كما يقوله الشافعيُّ .. ) وذكر أقوالاً أخرى فلتراجع([53]) .

مسألةٌ : قولُه  صلى الله عليه وسلم  ( لا صلاةَ بعد الصبح حتى تطلع الشمسُ ولا صلاةَ بعد العصر حتى تغيبَ الشمسُ )([54])، ليس على إطلاقه.

عن عائشةَ رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم( لا تتحرَّوا بصلاتكم طلوعَ الشمس ولا غروبَها فتصلّوا عند ذلك ) فهذا هو وقتُ النهي وليس بعد صلاة الصبح والعصر مباشرة . وعند أبي داود والنسائي ( لا تصلُّوا بعد الصبح ولا بعد العصرِ إلا أن تكون الشمسُ نقيةً )([55]).

  قال ابنُ حجر رحمه الله  ( فدلَّ على أن المراد بالبعديةِ ليس على عمومة وإنما المراد وقتُ الطلوع ووقت الغروب  )([56]) .

 وقال ابنُ رجب رحمه الله ( ففي حديث عائشة إشارةٌ منها أن النبيَّ  صلى الله عليه وسلم  لم يكن يصلِّى في وقت نهي عن الصلاةِ فيه )([57])

مسألةٌ : الفوائتُ تُقضَى كما فاتت لعموم الأحاديث :  فصلاةُ الوتر تقضَى كما فاتت ، وصلاةُ السفر تقضى كما فاتت ، وصلاةُ الليل تُقضى كما فاتت جهريةً ، وكذلك صلاةُ النهارِ ، وهكذا

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالميــن

 

 


 

([1]) أحمد ومسلم وصحيح الترغيب (560)

([2]) الترمذي – صحيح الترغيب (562)

([3]) ابن ماجه والبيهقي – صحيح الترغيب (564)

([4]) ابن حبان – صحيح الترغيب (574)

([5]) أخرجه البخاري

([6]) صحيح الترغيب والترهيب رقم (575)

([7]) المحلَّى (2/242)

([8])المجموع (3/18)

([9]) شرح البخاري – حديث (597)

([10])الاختيارات الفقهية (34)

([11])الفتاوى (22/40)

([12])شرح البخاري تحت حديث (597)

([13])الفتاوى (22/40) والاختيارات (34) .

([14])ذكره محمد بن نصر في تعظيم قدر الصلاة (2/987)

([15])مسند الحميدي آخر صفحةٍ منه (2/547)

([16])شرح البخاري (597)

([17])رواه أبو داود وابن ماجه

([18])في صحيح سنن أبي داود رقم (554 ).

 

([19]) شرح البخاري حديث (597)

([20])المحلَّى ( 2/235) : مسألة (279) راجع في عشر صفحات في المحلَّى

([21])السلسلة الصحيحة تحت حديث (66)

([22]) ( الجزء الثاني صفحة 25 )

([23])فتح الباري (2/71)

([24])فتح الباري (2/71)

([25]) الروضة الندّية (1/337)

([26]) الفتاوى (22/59)

([27])أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه – أرواء الغليل (252)

([28])رواه مسلم (2/110) وهو في صحيح سنن أبي داود (441)

([29])الصحيحة رقم (66)

([30])رواه أبو داود وابن ماجه وصححَّه الألباني في صحيح سنن أبي داود رقم (554) ما عدا الشطر الثاني منه

([31])أحمد والأربعة

([32])شرح البخاري (5/141)، حديث (597)

([33])الروضة النديَّة (1/336)

([34])المحلَّى (2/235) مسألة (279)

([35])شرح البخاري (597)

([36])متفق عليه واللفظ لمسلم

([37])شرح البخاري حديث (597

([38])الروضة الندية (1/336)

([39])سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (66)

([40])الصحيحة (66)

([41]) المحلَّى (2/235) مسألة (279).

([42])كتاب ( أسئلةٌ طال حولها الجدلُ ) السؤال الثالث صـ 38

([43])رواه البخاري ( 1852) فتح (4/64)

([44])صفحة 3-38 بتصرف يسير.

([45])رواه أبو داود

([46])شرح البخاري رقم (597)

([47])صفحة 34

([48])رواه مسلم (1/474) وغيرُه .

([49])إرشاد الفقيه (1/98)

([50])شرح البخاري (5/97)

([51]) صحيح سنن الترمذي.

([52])متفقٌ عليه خ (1233) م (834) وأحمد (6/310)

([53])الشرح (5/94)

([54])متفقٌ عليه

([55])صحيح مسلم (833)

([56])(2/62)

([57]) (5/73)