شكر نعمة الأمن


نسخة (PDF)نسخة (PDF)
التصنيفات

الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، أمَّا بعد:

فإنَّ نعمة الأمن من أكبر النِّعم الدنيوية وأعظمها، ولهذا امتنَّ الله تعالى على قريش بهذه النعمة في غير ما موضع من كتابه، كقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ} [العنكبوت: 67]،
وقال سبحانه:
{فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش: 3-4].

وذلك لِمَا في هذه النعمة من الفوائد العديدة، والثمرات الكبيرة من إقامة شعائر الدِّين وإظهاره، والإتيان بها بطمأنينة ونفس منشرحة، وبهذه النعمة يتم حفظ الأعراض، ويأمن الناس على ممتلكاتهم وأموالهم، وبها يسعى الناس لتحصيل أرزاقهم من غير تنغيص ولا كَدَر، وبها تحقن الدماء فيأمن الناس على أنفسهم من القتل ونحوه.

وإذا ثبت فضل هذه النعمة تحتَّم على العباد شكرها وحمد الله تبارك وتعالى عليها، وهنا يأتي السؤال: ما هي الوسائل المعينة على شكر نعمة الأمن؟

والجواب: إنَّ ذلك يتم بالقيام بالأعمال الآتية:

الأول: الدعاء وسؤال الله دوامها، وحمد الله عليها.

يقول صلى الله عليه وسلم: «ما أنعم الله على عبد نعمة فحمد الله عليها إلَّا كان ذلك الحمد أفضل من تلك النعمة»([1]).

ومن السُّنن التي ينبغي المحافظة عليها عقب الصلوات المكتوبة قول: «اللهم أعنّي على ذِكْرك، وشُكْرك، وحُسْن عبادتك»([2]).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو يقول: «ربِّ أعنِّي ولا تُعِن عليَّ، وانصرني ولا تنصر عليَّ، وامكر لي ولا تمكر عليَّ، واهدني ويسِّر الهدى لي، وانصرني على مَن بغى عليَّ، ربِّ اجعلني لك شكَّاراً، لك ذكَّاراً، لك رهَّاباً، لك مطيعاً، إليك مخبتاً، إليك أوَّاهاً منيباً، ربِّ تقبَّلْ توبتي، واغسِلْ حوبتي، وأجِبْ دعوتي، واهدِ قلبي، وسدِّدْ لساني، وثبِّتْ حُجَّتي، واسلُلْ سخيمة قلبي»([3]).

والشاهد فيه قوله: «ربِّ اجعلني لك شكَّاراً»، ونعمة الأمن من أولى ما ينبغي أن يُشكَر، فمَن أحبّ بقاء نعمة الأمن عليه ورغب في دوامها فعليه بالإكثار من حمد الله وشكره عليها فربنا يقول: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7].

الثاني: استعمالها في طاعة الله تعالى، وصرفها في مرضاته، واغتنامها فيما ينفع من الأمور الدينية والدنيوية، وخاصة الأمور الدينية؛ فإنَّ تحصيلها يتعذر عند زعزعة الأمن واضطرابه، ومن هنا قال يزيد بن ميسرة رحمه الله: "أَحْسِنوا صحابَةَ نِعَم الله، فوالله ما أنفرها عن قوم فكادت ترجع إليهم"([4]).

واستعمال نعمة الأمن في المنافع الدينية والمصالح الدنيوية من شكر هذه النعمة، فمَنْ شَكَرها وتواضع لله بها أعطاه الله خيرها، ورفعه بها في الدنيا والآخرة.

الثالث: الثناء على القائمين بها من ولاة الأمور ورجال الأمن والشرطة وشكرهم على ذلك مع الدعاء لهم، وسؤال الله لهم الإعانة والتسديد على مهامهم في حفظ نعمة الأمن؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يشكر الله مَن لا يشكر الناس»([5]).

الرابع: التعاون معهم على استمرارها وذلك بالإبلاغ -مثلاً- عمَّن يسعى لزعزعة الأمن أو التشويش على الآمنين وذلك إن وُجدت الريبة في شأنه أو بعْدَ التحقق من أمره؛ لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2].

الخامس: السعي لمنع الأسباب الموجبة لزوال نعمة الأمن وأعظمها المعاصي -على اختلاف أنواعها وتفاوت مراتبها- وكفران النعمة، قال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112].

ففي هذه الآية بيان أنَّ أعظم مهددات الأمن وزوال الأرزاق هي الذنوب، فإنَّ الوثوب على المحرمات والمجاهرة بها محاربة صريحة لله تعالى، والله تعالى يأبى أن يُعصى وتنتهك محارمه، ويحب من عباده التوبة إليه، فمتى أعرض العباد عن طاعته، واستعملوا نعمة الأمن وتوافر النِّعم في معصيته أحَلَّ عليهم العقوبة وأذاقهم ذل المعصية، وأبدل ما هم عليه من الأمن والأرزاق خوفاً وجوعاً، جزاءً وفاقاً {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}.

السادس: التحدث بنعمة الأمن، وتذكير الناس بفضلها وبيان ثمارها، وبيان حال الشعوب المحرومة منها؛ لعموم قوله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11]، فإنَّ تَذَكُّرَ هذه النعمة يدعو للحفاظ عليها وإكرامها، وسدّ كل باب لزوالها، وهذا يقتضي من كل غيور الاجتهاد في العمل الصالح مع الإكثار من شكرها، شعاره في ذلك: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبهذا تزداد هذه النعمة، ويعظم خيرها، وتكثر بركتها.

ومن تذكير الناس بها وشكرها العمل السابع وهو: نسبة نعمة الأمن إلى الله تعالى؛ لأنه تعالى هو المتفضل بها، والميسِّر لتحققها، والمحسن إلى العباد بوجودها، والمنعِم بها على الناس أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً.

الثامن: معرفة قَدْرها وعِظَم شأنها -وتقدَّم شيء من ذلك في التمهيد للجواب- وإلى هذا أيضاً الإشارة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن أصبح منكم آمِناً في سِرْبه، مُعافىً في جسده، عنده قوت يومه، فكأنَّما حيزت له الدنيا»([6])، والشيء كلما قوي العلم بقَدْره ازداد الطمع فيه والحرص عليه.

التاسع: الالتفاف حول ولاة الأمور بطاعتهم في طاعة الله عز وجل، وبيان حقوقهم الشرعية على الرعيَّة، والحث على الصبر عليهم، والتحذير من الخروج عليهم -إن كان فيهم جور وظلم- وأنَّ الواجب نصحهم -إن أمكن- باللطف واللين وبالتي هي أحسن، والنصوص على ذلك كثيرة، ولذلك قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: "نهى عن قتال الأمراء، والخروج على الأئمة -وإنْ ظلموا وجاروا- ما أقاموا الصلاة؛ سدّاً لذريعة الفساد العظيم والشر الكبير بقتالهم..." ([7]).

وأقول: إنَّ من الفساد العظيم الذي أشار إليه الإمام ابن القيم رحمه الله: استبدال الأمن بالخوف، وإراقة الدماء، وقتل النفوس، وظهور الفتن، وفساد ذات البَيْن، وتعطيل أحكام الشريعة، واختفاء معالم السُّنة، واضطراب الأمور، وذهاب الحقوق، وانتشار الفوضى، واختلال أوضاع الرعيَّة، وبروز الشَّغَب، وتفكك المجتمع، إلى غير ذلك من صور الفساد وأشكاله التي تقع بسبب الإخلال بهذا الأصل العظيم من أصول أهل السُّنة والجماعة والتفريط بنعمة الأمن، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعد أن ذكر النصوص الواردة في هذه المسألة: "وهذا كله مما يبيِّن أنَّ ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الصبر على جَوْر الأئمة وترك قتالهم والخروج عليهم هو أصلح الأمور للعباد في المعاش والمعاد، وأنَّ مَن خالف ذلك متعمداً أو مخطئاً لم يحصل بفعله صلاح بل فساد"([8]).

العاشر: لزوم الجماعة والالتفاف حولها وعدم مفارقتها، والمراد بالجماعة: جماعة المسلمين الذين لهم حاكم ظاهر، وسلطان معروف، قد اجتمع أهل الحل والعقد على تأميره ومبايعته ولزوم طاعته.

فمن تمام شكر نعمة الأمن لزوم الجماعة، وطاعتها -أعني الجماعة- في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وبذل الجهد في النصح لها والقيام بحقوقها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَن خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، ثم مات، مات ميتة جاهلية»([9]).

ومَن فعل خلاف ذلك فإنه مُعرِّض نفسه للوعيد الذي جاء على لسانه صلى الله عليه وسلم في قوله: «ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل فارق الجماعة، وعصى إمامه، ومات عاصياً»([10]).

الحادي عشر: رفض كل ما يخل بنعمة الأمن، وردّ كل سلوك يؤدي إلى زعزعتها وذهابها، من إقامة المظاهرات، أو إظهار الاعتصامات، أو الإعلان عن الإضرابات، أو تعدد الجماعات، أو إظهار التنظيمات السرية، أو الإذن بوجود الأحزاب السياسية، أو التصريح بمفارقة الجماعة الشرعية القائمة تحت حاكم يسوسها ويرعى شؤونها وإشهار ذلك والدعوة إليه، أو سب الحكام والطعن فيهم، أو إساءة الظن بهم، أو شيوع التحزب، إلى غير ذلك من الوسائل المفسدة والطرق المؤدية إلى التمرّد على نعمة الأمن أو العبث بها أو انتهاكها، فهذا كله مخالف لقوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105].

الثاني عشر: وهو أجلُّ الأسباب وأعلاها، وأشرفها وأفضلها، وكل ما تقدَّم من الأسباب فإنه مبني عليه، ألا وهو الإيمان بالله تعالى وتحقيق التوحيد له جل وعلا، وإخلاص الدِّين له وحده دون سواه، فهذا أصل الأمن وأساسه، ولذلك رتَّب الله الأمن على الإيمان وبيَّن أنه من آثاره فقال: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82]، فمتى وفق المجتمع لتحقيق الإيمان التام هيَّأ الله له الأمن التَّام وهداه إليه، وهذا يعني: أن حظ المجتمعات المسلمة من الأمن بحسب حظها من الإيمان بالله وتحقيقه والقيام بحقه، والابتعاد عن نواقِصِه، واجتناب ما يُضادّه؛ لأن الأمن والإيمان مترابطان لا انفكاك لأحدهما عن الآخر، والإيمان طريق إلى الأمن والأمان.

ودليل هذا حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى الهلال قال: «الله أكبر، اللهم أهلّه علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربنا وربك الله»([11]).

فإنَّ المراد بالأمن في هذا الدعاء: الطمأنينة والسلامة من الشرور والبُعد عن الآفات، وانتشار السكينة، وظهور الهدوء([12]).

فمن تمام شكر نعمة الأمن: إتمام الإيمان بأداء حقه، وحفظ حدوده، والقيام بشرائعه، والاجتهاد في الاستزادة من شعبه وخصاله، والعمل بموجباته.

والنصوص الشرعية في الدلالة على ما تقدَّم متكاثرة، ويكفي منها ما ذُكِر، إذ المقصود هو التذكير بنعمة الأمن وضرورة الحفاظ عليها، وصيانتها ممَّا يُنقِصها.

وختاماً: هذا حاصل ما يمكن ذكره في الإجابة عن هذا السؤال، وهو سؤال عظيم يحتاج لمزيد بسط لتنبيه الناس على عِظَم هذه النعمة ورعايتها، والتفكر في منافعها وفوائدها، فإنَّ التفكر في نِعَم الله وآثارها من أجلِّ العبادات وأنفع القربات، والجهل بالنِّعم وخيراتها طريق لإنكارها ونسيانها والتفريط في أداء حقها.

وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد وآله وصحبه أجمعين.


 

([1]) رواه الطبراني في المعجم الكبير (7794)، وحسَّنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (1573).

([2]) رواه أبو داود (1522)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (1596).

([3]) رواه ابن ماجه (3830)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (3103).

([4]) رواه أبو نعيم في حلية الأولياء (5/238).

([5]) رواه أبو داود (4811)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (973).

([6]) رواه الترمذي (2346)، وحسَّنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (833).

([7]) انظر: إغاثة اللهفان (1/369)، وإعلام الموقعين (3/159).

([8]) منهاج السنة (4/531).

([9]) رواه مسلم (1848).

([10]) رواه أحمد (23943)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (1887).

([11]) رواه الدارمي (1639)، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (1816).

([12]) انظر: أمن البلاد ووسائل تحقيقه د. عبد الرزاق البدر (ص:16-17).