أثر طالب العلم في أسرته


نسخة (PDF)نسخة (PDF)
التصنيفات

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الْحَمْدَ لله نحمده ونستعين بالله ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد:

فإن من أشرف ما يناله العبد معاشر الإخوة والأخوات، من أشرف ما يناله العبد في هذه الدنيا العلم الشرعي.

وأفضل ما تُعمر به الأوقات وتُقضى به الساعات هو السعي في طلب هذا العلم الشرعي ومن أدرك فضائل هذا العلم سعى فيه سعيًا حثيثًا للتزود منه كما قال ربنا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: ﵟوَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا ١١٤ﵞ ﵝطه : ﵔﵑﵑﵜ.

فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أمر نبيه -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام- أن يطلب منه الاستزادة من هذا العلم وربنا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- رفع الذين يحملون هذا العلم على سائر الناس كما قال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: ﵟيَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١١ﵞ ﵝالمُجَادلَة : ﵑﵑﵜ.

فهذا العلم فضائله كثيرة وآثاره على العباد جميلة جليلة، من حُرم هذا العلم فقد حرم خيرًا كثيرًا لذلك قال المصطفى -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين»([1]).

أخذ أهل العلم -رَحِمَهُم اللَّهُ تَعَاَلَى- مفهوم المخالفة من هذا الحديث أن من لم يسلك سبيل العلماء ولم يسلك مجال العلم الشرعي فإنه ليس ممن جاء فيهم هذا الخير وهذا الوصف الذي وصفه به النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- وصف حامل العلم بأن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أراد به خيرًا عظيمًا.

ومن هذه الآثار الجميلة التي يعود نفعها على العباد وعلى الأفراد والمجتمعات ما يعود على الأسرة لا سيما الأسرة المسلمة.

سيكون حديثنا بإذن الله -تَعَاَلَى- في هذه الليلة عن أثر هذا العلم وأثر الحملة لهذا العلم الشرعي أثر من طلب هذا العلم على الأسر وعلى الأفراد والمجتمعات وبشكل خاص على الأسرة كما هو معنون له في محاضرتنا في هذه الليلة بإذن الله تَعَاَلَى.

بدايةً لا بد أن يتأمل طالب العلم في نفسه أولًا، لا بد أن ينظر في نفسه في سبيل سلوكه لهذا العلم، في نفسه هل هو ممن سلك هذا السبيل وهو سائرٌ على درب أهل العلم مقتفي أثرهم، سائرٌ على نهجهم أو هو من المتطفلين على العلم وعلى أهله، هذا من ناحية أولى.

ثم عليه أن ينظر إلى أثر العلم على نفسه وهل أثمر هذا العلم في نفسه الإيمان بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- ومراقبة الله -عَزَّ وَجَلَّ-، هل أثمر في نفسه الثمرات اليانعة، الثمرات الجميلة الجليلة التي تعود على المسلم بالمعاتبة والمحاسبة ومراقبة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- هل هذا العلم يقوده للخيرات والهدى والصلاح.

ويجنبه طرق الغي والضلال والفساد أم أن هذا العلم الذي يسلكه لا يؤثر في نفسه فليراجع إذًا نفسه وليصحح مساره في طلبه لهذا العلم الشريف.

ثم يتأمل في أثر هذا العلم على تعاملاته وأخلاقياته مع الناس بشكل عام، ومع أهله وأسرته بشكل خاص، فإن كان هذا العلم له تأثيرٌ على تعاملاته وعلى أخلاقياته في أسرته وله أثرٌ واضح على الأهل والأسرة والأقارب ونحو ذلك فهنيئًا له بهذا العلم الذي حصله وإن لم يكن له أثر ولم يكن له ثمرة فليصحح ما قد أخطأ فيه أو زل فيه.

فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- يصدق عبده إذا صدقه وإذا رجع إليه وإذا استحضر النية الخالصة في طلب العلم واستحضر المعاني الجميلة التي في هذا العلم وأثرها على الناس لا سيما أقرب الناس إليه.

فطالب العلم حينما ينظر إلى هذه الأسرة وهذه المكانة القريبة من هو من أهله وأسرته وذويه يتذكر ويستحضر قول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: ﵟيَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُﵞ ﵝالتَّحۡرِيم : ﵖﵜ.

فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أمر العباد أن يقوا أنفسهم ويتقوا هذه النار ويجنبوا أهليهم ومن هم أقرب الناس إليهم يجنبوهم الخطر الذي يكون في الانحراف عن شرع الله -عَزَّ وَجَلَّ-، والخطر الذي يكون في الابتعاد عن دين الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، ويستحضر كذلك حديث نبيه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- حينما قال: «كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته»([2]).

وقال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في حديث آخر: «إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه أحفظ ذلك أم ضيع حتى يسأل الرجل على أهل بيته»([3])، أو كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم.

 فطالب العلم حينما ينظر إلى أسرته ينظر إليهم من هذا المنظور أنه مسئول عن قربهم من ربهم أو بعدهم عن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- يكون مصدر رحمةٍ وطمأنينة في هذه الأسر، طالب العلم لا بد أن يستحضر هذه المعاني ويستذكرها ويذكر قلبه ويذكر نفسه بهذه الأمور التي ترفعه عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- درجات.

فيستحضر هذه الأمانة العظيمة وهي أنه لا بد أن يكون موصلًا لهم للخيرات ومبعدًا لهم عن الشرور وعن الآفات وكيف يكون طالب العلم حائزًا على هذه المكانة في إيصالهم لهذه الخيرات وهو بعيد عنهم.

فإذًا لا بد أن ينتبه إلى النقطة الثَّانِيَة التي يريد أن نتحدث عنها وهي أنه لا بد أن يكون رفيقًا رحيمًا بأهله وأسرته حتى يستطيع ويتمكن من إيصال الخير لهم.

فكلما وجد الرفق في نصحك لأهلك وأبنائك وعائلتك وأهلك المقربين منك كلما كان الرفق موجودًا كلما كان إيصال الخير لهم أكبر وأعظم.

لذلك النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- وضح هذا الأمر في قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إن الله إذا أراد بأهل بيتٍ خيرًا أدخل عليهم الرفق»([4])، فطالب العلم لا بد أن يتأمل في أثره على هذه الأسرة وعلى هؤلاء القريبين منه.

فيكون في تعليمه لهم وإيصال الخير لهم رفيقًا رحيمًا، كما أرشد إليه النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وكما أخبر -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام- أن الرفق لا يكون في شيءٍ إلا زانه ولا يُنزع من شيءٍ إلا شانه.

فعلى طالب العلم إذا أراد أن يعلم أفراد أسرته إذا أراد أن يعلم أبناؤه، أن يعلم زوجته أن يعلم إخوانه وأخواته ووالديه لا بد أن يكون رفيقًا رحيمًا لا سيما الوالدين، لا بد أن يكون رفيقًا رحيمًا مؤدبًا في إيصال الخير للوالدين وفي تعليمهم وفي نصحهم، فإذًا لا بد أن ينتبه لهذه النقطة وهي الرفق والرحمة في إيصالك الخير لهم.

كذلك لا بد أن يبين لهم شفقته عليهم ومحبته لهم، ويكون في هذا متأسياً بنبيه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فأنتم لو نظرتم رعاكم الله إلى نبيكم -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- وكيف كان رفيقًا رحيمًا بالناس ينصح ويعلم بكل رفق وبكل أسلوب جميل وبكل لطافة في الأسلوب وجمال في الكلام والتعبير.

لذلك حصل النفع العظيم في تعليم النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- لهؤلاء الناس، لذلك قال الله -عَزَّ وَجَلَّ- عنه: ﵟوَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِﵞ ﵝآل عِمۡرَان : ﵙﵕﵑﵜ.

فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أمر نبيه -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام- بهذه الأمور التي تكون أدعى لإيصال الخير للناس.

النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- لو تأملنا في سيرته وفيما جاء عنه -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام- لوجدنا العجب العجاب في كيفية إيصال الخير للناس خاصةً من كانوا قريبين منه، فننظر مثلًا على سبيل المثال ننظر في تعامله مع الصبيان ومع أبنائه وأحفاده، كيف كان يعاملهم حتى أن الأعرابي لما جاء إلى النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- واستغرب وقال أتقبلون صبيانكم؟!

فقال له النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أوَ أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة»([5])، فهذا النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- الكريم يبين ماذا؟ يبين أن الرحمة لا بد أن تكون موجودة في صدر هذا الذي يعلم الناس الخير ويريد أن يوصل لهم العلم النافع لا بد أن يكون رفيقًا رحيمًا محبًا لهم مشفقًا عليهم فيما يريد به إيصال الخير لهم.

وكذلك لا يمنع هذا الأمر من ماذا؟ التصريح بمحبته لهم وبقربه منهم لذلك كان النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كما قال البراء بن عازب -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: قال رأيت النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- والحسن بن علي على عاتقه يقول: «اللهم إني أحبه فأحبه»([6])، تأمل هذه الألفاظ الجميلة وهذه الدعوات الكريمة منه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- وكيف يكون وقعها في نفوس هؤلاء الأطفال أو في نفوس هؤلاء الذين يسمعونه.

لا شك أن هذا سيؤثر فيهم ويكون أدعى إلى القبول والاستجابة لما يأمرهم به -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام-، فلذلك طالب العلم عليه أن يكون متأسيًا في هذه الجوانب بنبيه -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام- يكون رفيقًا رحيمًا بالناس خاصةً أهله ومن هم قريبون منه.

والنبي -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام- يقول: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»([7])، فالنبي -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام- يبين لك أن الواجب عليك إذا أردت أن تنفع هؤلاء القريبين منك أن تكون رفيقًا رحيمًا قريبًا منهم.

فبقربك منهم تستطيع إيصال الخير وإيصال النفع لهم والتأثير فيهم، وإذا غاب عنهم افتقدوه وبحثوا عنه وتذكروا جمال سيرته وأخلاقه الجميلة التي حينما يكون معهم كيف أنه يكون في جلسته معهم وكيف يكون ففي حديثه معهم ما فيه من الخير العظيم ما يكون فعلى طالب العلم أن يكون متأسيًا بنبيه -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام- في هذه الأخلاق وفي هذه الأمور العظيمة التي تؤثر في النفوس كلامك أخي الفاضل وكلامك أختي الفاضلة التي تطلب العلم وهي من طالبات العلم كما  أن حديثنا اليوم عن طالب العلم كذلك نحن بصدد الحديث عن طالبة العلم كذلك فكلاهما مطالب بهذا الأمر.

حديثك يا طالب العلم مع أهلك ومن هم قريبون منك من الوالدين ومن الأبناء ومن الإخوان والأخوات ومن أهل وقرابة ونحو ذلك، أهلك والأقرباء الذين هم أولى الناس بنصحك وتعليمك لهم لا بد أن ينالهم من الخير والرحمة والرفق في أثناء كلامك لهم أن ينالوا حظًا عظيمًا لماذا؟

لأنهم أقرب الناس لك والذي تريد أن توصله لهم من الخير لا شك أنه أعظم مما تريده لغيرهم من الناس فهم أهلك وخاصتك لذلك حتى يشملهم هذا الخير لا بد أن تكون في أسلوبك وفي تعاملك معهم لا بد أن تكون مترفقًا مشفقًا عليهم هكذا الرجل مع امرأته مع زوجته لا بد أن يلاحظ هذه الأمور.

فالبيوت إذا بنيت على الرفق وعلى الرحمة وعلى التناصح بالكلام الطيب والأسلوب الجميل بين الزوج وزوجته وكذلك بين الزوجة وزوجها لا بد أن يكون هناك من الألفاظ الجميلة والكلمات التي فيها من المودة ومن المحبة وإظهار الألفة والمكانة العالية التي لكل واحد منهما في قلب الآخر لا بد أن يكون هذا ظاهرًا في هذا البيت حتى تسوده الطمأنينة.

أي يسوده الاستقرار والراحة لا شك أن هذا له تأثيرٌ على هذه الأسر.

فعلى طالب العلم أن يراعي هذا الجانب وهو الأسلوب الجميل والرفق والرحمة بالمخاطبين لا سيما إن كانوا من أهله.

هذا الأمر وهو الرفق والرحمة لا يمنع من إيضاح المنكر كذلك وبيان الخطأ لمن أخطأ لكن كذلك كما قلنا أن يكون ذلك بأسلوب مناسب لهذا الخطأ.

ما كل خطأ ينبغي على الشخص أن يجعله عظيمًا ويعطيه أكبر من قدره.

فالهفوات والزلات قد تقع من الناس لكن عليك أنت أن تصلح بقدر ما تستطيع أن تصلح، قد لا تتمكن في بعض الأحيان من إزالة الخطأ من أساسه لكن لا بأس بتخفيفه كما يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَاَلَى- يبين بكلام جميل لهم أن المسلم مطالب بتخفيف المنكر إن وجده.

فهكذا عليك أنت تنتبه لمثل هذه الأمور تنتبه، هل في إنكارك لهذا المنكر هل فيه إيقاع لهذا القريب منك بمنكر أعظم إن كان سيوقعك في منكر أعظم فلا، فاحتفظ بودك له مع إيصال الخير لهم في أوقات أخرى قد يكون الكلام فيه أكثر نفعًا فلذلك نقول لا بد أن يراعي طالب العلم في مثل هذه الأمر بإنكاره للمنكر يراعي هذه المسائل.

وهي مسألة المصالح والمفاسد وحجم الخطأ وهل ينفع الكلام في هذا الوقت أو يؤجل.

الشاهد من هذا: أن طالب العلم عليه أن يكون متأنيًا في كلامه ملاحظًا الوقت الذي يتحدد فيه وأثر هذا الكلام ونفعه في نفس هذا المخاطب القريب منه فالنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لما رأى شيئا من الأخطاء بيَّنها وبيَّن جانب الحزم لما كان الحزم مطلوباً، ولمَّا رأى وهو الحسن -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يأخذ تمرة من تمر الصدقة ويضعها في فيه، ما قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن هذا صبي صغير بل علمه بكل أسلوب جميل فقال له: كخ كخ أي بمعنى ألفظها ولا تأكلها.

وبيَّن له أننا لا نأكل الصدقة، مع أنه طفل صغير لكن يزرع فيهم النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هذه المعاني وهذه الأمور بأسلوبه الجميل -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهو فيه من الحزم ما فيه، فاستخدام الحزم في موضعه، واستخدام الرفق في موضعه هو المطلوب.

لكن كذلك على طالب العلم أن يكون متأنيًا ملاحظًا لمثل هذه المعاني حيثما نفع أي استخدم الأسلوب الذي يناسبه ولا شك أن الرفق بشكل عام الرفق في تعاملاته هو المطلوب وإن احتاج الأمر إلى حزم فيستخدم الحزم في موضعه بالقدر الذي يناسبه وبالقدر الذي ضبطه به الشرع.

كذلك لو نظرنا إلى مثلًا قصة أخرى أو حادثة أخرى يذكرها عمر بن أبي سلمة يقول: كنت غلامًا في حجر رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وكانت يدي تطيش في الصحفة أي أن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ما تركه لأنه طفل صغير بل بين له بالأسلوب الطيب وبالتعليم الجميل، قال له الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك»([8])، تعليم وتأديب لهذا الطفل الصغير حتى ينشأ وهو يحمل القيم العالية والآداب الجميلة التي يكبر بها وتكبر معه هذه القيم وتزداد يومًا عن يوم.

وهكذا لو نظرنا إلى من كانوا قريبين من النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ممن كانوا أطفالًا صغارًا لو نظرنا إلى سيرهم فيما بعد وفاة النبي -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام- وبعد ذلك وجدنا أنهم كانوا من خيرة الناس وممن كانوا متأثرين تأثرًا عظيمًا بالنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وتعليمه لهم.

انظروا على سبيل المثال عبد الله بن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كان صبيًا صغيرًا نهل من معين النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وتعلم منه فلذلك نشأ نشأة جميلة وكبر على هذه المعاني الجليلة التي قد حصلها ونالها، فحصل من المعاني ومن الآداب ومن الفضائل الخيرات الكثيرة، كذلك عبد الله بن عمر لو ننظر في سيرته نجد أمرًا عجبًا في سلوكه وفي شدة اتباعه وفي حرصه على هذا العلم وهذا الدين إلى آخر هذه المعاني الطاهرة الطيبة.

زيد بن ثابت -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لو تأملنا في سيرته جاء إلى النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهو صبي صغير عمره 11 سنة، فأثر فيه تعليم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

أسامة بن زيد -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ورَضِيَ اللهُ عَنْهُم أجمعين، لو نظرنا كذلك في سيرته ونشأته لوجدنا أنه تأثر بتعليم النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- له.

الشاهد من هذا: معاشر الإخوة والأخوات: تعليم النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأثره في هؤلاء الأطفال أثر عظيم، بقيَّ في نفوس هؤلاء إلى مماتهم وإلى لحظات وفاتهم.

انظر في سيرهم تجد فيها أنها سير عطرة جميلة لماذا؟ لأنهم تعلموا من هذا العلم الشريف الذي تركه لنا النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فالأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا هذا العلم.

فمن أخذه أخذ بحظ وافر، فإذًا حينما ننظر إلى سير هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم الذين تعلموا من النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نجد فيها التأثر العظيم.

فهكذا طالب العلم.

أنت حينما تقرأ في سيرة النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تقرأ في أحاديث نبيك -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام- كيف كان وكيف فعل هنا وماذا قال وهذه المسألة حكمها الشرعي كذا وهذا كذا لا بد أن يؤثر فيك فتنقل هذا التأثير إلى أسرتك ومن هم قريبون منك لا بد أن يكون هناك تأثير في تعلمك لهذا العلم وفي تعليمك في الناس.

فهذا إذًا لو نظرنا إلى الجانب في تعليم النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لهؤلاء الأطفال وهؤلاء الذين كانوا بالقرب منه -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام- كذلك لا بد أن نلقي الضوء على جانب هام من سيرة النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الذي ينبغي على طالب العلم أن يتأسى بها وهي بماذا يبدأ طالب العلم في دعوته وتعليمه في تأثيره على هؤلاء من هم بالقرب منه وفي أسرته لا شك ولا ريب أن البدء دائمًا بتعليمهم التوحيد.

توحيد الله -عَزَّ وَجَلَّ- عبادة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- وإفراده بالعبادة ومراقبته سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- وتعلم أسمائه وصفاته سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- وما إلى ذلك من جوانب علم العقيدة التي بينها وسطرها أهل العلم في كتبهم.

فإذًا لو نظرنا إلى سيرة النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نجد أنه قد غرس هذه المعاني العظيمة في نفوس الأطفال والكبار.

نجد أن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حينما كان ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- رديفه على الدابة قال له: «يا غلام إني أعلمك كلمات»، يحدث هذا الصبي الصغير يغرس فيه هذه القيم العظيمة هذا التوحيد الذي فيه مراقبة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- وفيه التعلق بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

«يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ»([9]).

هكذا يغرس النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- هذه العقيدة الجميلة العظيمة في نفس هذا الصبي الصغير حتى ينشأ حاملًا لهذا الإرث العظيم وهو توحيد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، وعبادة الله -عَزَّ وَجَلَّ- ومراقبته وحفظ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- في السر والعلانية وإذا سأل فليسأل الله وإذا استعان فليستعين بالله أي أن القلب لا بد أن يكون معلقًا بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

فهذا إذًا جانب من الجوانب التي بينها النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- وغرسها في نفوس هؤلاء الأطفال.

هكذا طالب العلم لا بد أن يؤثر من هم بالقرب من أطفاله من أبنائه، يغرس فيهم هذه القيم الوازع الديني لا بد أن تنميه عند أبنائك، اليوم نحن نمر يمر الناس بأمور فيها من الحرب على هذه القيم الطيبة الجميلة وعلى المبادئ العظيمة التي يحملها أبناء الإسلام في قلوبهم.

فيتعرضون لحملات شرسة كيف لك أن تواجه مثل هذه الأمور التي يتعرض لها أبناء الإسلام هنا وهناك من أفكار شاذة وأفكار دخيلة على المجتمعات من دعوة للانحلال ودعوة للتحرر من القيم والتحرر من المبادئ، التحرر من الدين.

التحرر من الأخلاق، حتى في جانب ما يسمى مثلًا بالشذوذ والمثلية ونحو ذلك كيف لك أن تبين لأطفالك وتزرع فيهم خطورة هذه الجوانب لا شك ولا ريب أن ذلك يكون بتنمية الوازع الديني نمِّ هذا الوازع الديني في قلوبهم، اجعل من الإيمان ما يكون فيه تحريكًا لقلوبهم، لا بد أن يتحرك هذا القلب لا تقل هذا صبيٌ صغير أو هذه طفلة صغيرة لا تستوعب مثل هذا الكلام.

بل عليك أن تربيهم على القيم الطيبة النبيلة التي ينشئون عليها فإذا نشأوا وكبروا على هذه الأخلاق الطيبة أثر فيهم ذلك ولم يتأثروا بهذه الحملات المسعورة.

والتي فيها من هدم قيم الإسلام وهدم المبادئ الطيبة عند الناس ما فيها.

فلا بد أن تنمي هذا الوازع الديني تنمي هذه المعاني الجميلة الدينية الطيبة التي فيها دعوة لمكارم الأخلاق دعوة للآداب التي فيها رفعة لهم في دينهم ودنياهم، لا بد أن يغرس المسلم وطالب العلم بالذات أن يغرس هذه المعاني وهذه العقيدة الطيبة في نفس أبنائه وكيف سيغرسها فيهم وهو بعيد عنهم.

إذًا لا بد أن يكون قريبًا من هؤلاء كذلك الأم وطالبة العلم كذلك لا بد أن تكون قريبة من أبنائها قريبة من أهلها ومن ذويها.

لا بد أن تكون قريبة منهم إذا تحدثت معهم تظهر لهم الشفقة والرحمة، والخير لهم لا بد أن يكون هناك من الأسلوب الجميل والأسلوب الطيب الذي فيه إيصال الخير لهم، كذلك غرس المبادئ الطيبة فيهم، غرس هذه القيم، تعليهم الآداب الإسلامية، الآداب التي نشأ عليها صحابة النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، هكذا طالب العلم لا بد أن يكون مثمرًا في أهله وأسرته، لا أن يكون وجوده إنما هو تكملة عدد فقط.

لا بد أن يكون له أثر في هؤلاء الناس، له تأثير جميل فيهم، إذا غاب عنهم افتقدوه وليس إذا غاب عنهم حمدوا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- على عدم وجوده، لا هذا ما ينبغي لطالب العلم ولا ينبغي لطالبة العلم كذلك أن يكونا في وجودهم تنفير للناس أن يكون من الكلام السيء أو من العناد أو المجادلة أو نحو ذلك.

طالب العلم وطالبة العلم لا بد أن يبتعدوا عن الجدال الذي لا فائدة منه، عن الدخول في مهاترات ومناقشات وغير ذلك حتى مع الأهل ومع الأقرباء، لا بد أن يبتعد طالب العلم عن مثل هذه المهاترات وهذه المجادلات التي تكون بينه وبين أفراد أسرته.

أوصل الخير لهم بالأسلوب الجميل وأدعو الله لهم بالتوفيق والهداية والصلاح والسداد بين لهم هذه العقيدة الطيبة اغرسها فيهم، لا تقل إنهم لا يؤثر فيهم، إن لم يؤثر فيهم اليوم سيؤثر فيهم في يوم من الأيام، وإن لم يؤثر في فلان فسيؤثر في فلان.

«لا تحقرن من المعروف شيئًا»([10])، بل ابذر الخير وانشر الخير وسيثمر الله -عَزَّ وَجَلَّ- جهوده لكن يكون فيها من الإخلاص لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، استحضر جانب الإخلاص لا أنك تريد أن تترفع عليهم بهذا العلم.

لا بد أن يكون في كلامك فيه استحضار الإخلاص لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، فيه استحضار أي النفع لهم إيصال الخير لهم.

إنقاذهم من الذنوب والمعاصي تستحضر قول نبيك -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنني آخذ بحجزكم عن النار وإنكم لتقحمون فيها»([11])، استحضر هذه المعاني وهذه الأمور الطيبة التي حملتها في قلبك فأوصل هذه المعاني الطيبة.

كذلك بالنسبة للمرأة.

المرأة دورها عظيم في تنشئة هؤلاء الأطفال، تنشئة هؤلاء الأجيال لا يكون هم المرأة فقط البحث عن التكسب والبحث عن الأعمال إن لم تكن محتاجة للتزود من هذه الأموال ومن هذه الدنيا فينبغي عليها أن تكون حريصةً على تربية أبنائها في بيتها لا بد أن تكون حريصة على هذا الجانب ولا تجعل همها وشغلها الشاغل هو لاهتمام بما فعل الناس وما هي الموضة وماذا تلبس فلانة وماذا تفعل فلانة.

هذه من سفاسف الأمور التي ينبغي على العاقلة المسلمة الفاضلة التي تهتم بجانب العلم وتهتم بالعلم الشرعي أن تكون من أبعد الناس عن هذه المسائل.

لا يقال: لا تتجملي ولا كذا، لا، بل لا إفراط ولا تفريط، أن يكون المسلم أن تكون المسلمة إنما همهم منذ أن يصبحوا إلى أن يمسوا إنما همهم هو على الطعام والشراب واللباس ونحو ذلك هذا من همم الضعفاء الذين قصرت عقولهم.

فينبغي على المسلم أن يكون حريصًا على معالي الأمور على الأمور التي فيها النفع للناس لا سيما من هم من أهلك وخاصتك.

إذًا نقول على طالب العلم أن يكون حريصًا على غرس العقيدة الطيبة، العقيدة هذه هي عقيدة أهل السنة أن يغرسها في نفوس هؤلاء من أفراد أسرته.

كذلك لو تأملنا في تعليم النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- لزوجاته نجد أنه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان حريصًا على تعليمهم وهذه العقيدة الجميلة الطيبة عقيدة أهل السنة العقيدة التي نشأوا عليها وأثرت فيهم وأثمرت الثمار العظيمة في قلوبهم على سبيل المثال لو نظرنا إلى قول أم سلمة -رَضِيَ اللهُ عَنْها- إلى النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بعدما رجعت من الحبشة، حينما قالت إنها رأت أنهم إذا كان مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصورا فيه الصور.

فقال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أولئك شرار الخلق عند الله»([12]).

يحذر مما صنعوا أي يبين لها أن التعلق إنما يكون بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، لا بالأولياء ولا بالصالحين ولا بغيرهم ولا بالأنبياء ولا بالملائكة ولا بغيرهم إنما التعلق إنما يكون بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- تعليق هذا القلب بالله.

يكون هذا القلب متعلق بربه متوكلًا عليه يجد الراحة والأنس والطمأنينة في ذكره لربه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، هذا الذي ينبغي أن يغرسه طالب العلم في نفوس أهله وأسرته وأبنائه ومن هم بالقرب منه من إخوانٍ وأخوات ووالدين ونحو ذلك.

كذلك هناك نقطة أخرى لا بد أن ينتبه لها طالب العلم وطالبة العلم وهي إيصال الخير مثلًا لهؤلاء الأقارب بدفع الشرور عنهم وإيصال الخير لهم على سبيل المثال مثلما كان يفعل النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في تعويذه للحسن والحسين.

كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُعَوِّذُ الحَسَنَ والحُسَيْنَ، ويقولُ: «إنَّ أَبَاكُما»؛ أي إبراهيم -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام-، «كانَ يُعَوِّذُ بهَا إسْمَاعِيلَ وإسْحَاقَ: أَعُوذُ بكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِن كُلِّ شيطَانٍ وهَامَّةٍ، ومِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ»([13]).

فالنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُعوذ هؤلاء الأطفال من هذه الشرور والتي قد يكون فيها ما يكون فيها من أذى لأهله وأسرته وأبنائه وزوجاته ونحو ذلك.

كذلك جاء في حديث جابر في قول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إِذَا اسْتَجْنَحَ اللَّيْلُ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فإنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ العِشَاءِ فَخَلُّوهُمْ، وأَغْلِقْ بَابَكَ واذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وأَطْفِئْ مِصْبَاحَكَ واذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ»([14]).

في هذا الحديث يبين النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- ما فيه دفع الشرور عن هذه الأسرة وعن هؤلاء الأطفال وعن الأهل والأقارب بإرشادهم إلى هذه الأمور التي فيها إبعادهم عن هذه الأمراض التي يكون فيها من العين أو المس أو ما شابه ذلك فإذًا على طالب العلم أن يبين لأسرته وهؤلاء الأبناء خاصة الأطفال لأنهم قد يغفلون عن هذه الجوانب يبين لهم أنه من حفظ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- حفظه الله ولا بد أن يكونون مستحضرين لذكر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- إذا دخلوا البيت وإذا خرجوا من البيت.

فعلى سبيل المثال يقول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- لأنس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يقول كما قال أنس: قال لي رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «يا بُنَيَّ إذا دَخلتَ علَى أهْلِكَ فسلِّم يَكُنْ برَكَةً علَيكَ وعلى أهْلِ بيتِكَ»([15]).

فإذًا النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- علم هؤلاء الأطفال، علمهم إذا دخلتم البيوت فسلموا، ألقوا بتحية الإسلام: السلام.

لماذا؟ حتى يكون فيها من البركة ما يكون.

كذلك إذا خرج هؤلاء الأطفال وخرج هؤلاء الأهل من بيتهم أن يذكروا اسم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: «بسمِ اللهِ توكَّلْتُ على اللهِ لا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ»([16])، فإذًا لا بد أن يبين لهم هذه الأمور التي فيها حفظ، فيها الحفظ لهم بحفظ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

من الجوانب التي لا بد أن يكون لطالب العلم فيها أثر على أهله وأسرته أن يعلمهم أمور العبادات لا سيما الصلاة: ﵟوَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ لَا نَسۡـَٔلُكَ رِزۡقٗاۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكَۗ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلتَّقۡوَىٰ ١٣٢ﵞ ﵝطه : ﵒﵓﵑﵜ؛ فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أمر أنبيائه بأن يأمروا أهاليهم بالصلاة وهي عماد الدين وهي أول ما يُحاسب عليه العبد ومن صلحت صلاته صلح له سائر عمله، فلذلك النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- وضح هذا الأمر وبينه -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام- في قوله: «مُروا أَولادَكُم بِالصَّلاةِ وهُم أَبناءُ سبعِ سِنينَ، واضْرِبوهم عَليها وهُم أَبناءُ عَشرٍ، وفَرِّقوا بَينَهُم في المَضاجِعِ»([17]).

فالنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- وضح لك يا طالب العلم ويا طالبة العلم هذا الأمر وهو الاهتمام بجانب الصلاة.

الأم تأمر أولادها وبناتها بالصلاة، وكذلك الأب طالب العلم هذا لا بد أن يأمرهم بالصلاة لا بد أن يبين لهم أن الصلاة فيها صلةً بين العبد وربه، فيها قربٌ لك من ربك فيها قربٌ لكِ من ربك سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

فعلى طلبة العلم أن يبينوا وأن يغرسوا هذه الفضائل في نفوس هؤلاء الأطفال والأسرة بشكل عام.

الرجل إن وجد تقصيرًا من امرأته في الصلاة حثها على الاهتمام بجانب الصلاة وعدم تأخيرها عن وقتها.

وجد من هذه المرأة عدم حرصٍ مثلًا على أداء صلاة الفجر في وقتها لا بد أن يبين لها وأن يحثها ولو كان نومها ثقيلًا لا بد أن يكون له أثر في مثل هذا الأمر ولا يتركها نائمةً إلى أن تشرق الشمس ثم بعد ذلك يبدأ يعاتبها وهو لم يبذل الأسباب.

لا بد أن يكون بينهما تناصح في مثل هذه الجوانب: ﵟوَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِﵞ ﵝطه : ﵒﵓﵑﵜ ؛ أمر من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- فإذًا على طالب العلم أن يهتم أولًا بنفسه في جانب الصلاة والحرص عليها والقرب من ربه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، والإكثار من العبادة والسجود والدعاء والأنس بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- استعين بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

ﵟوَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ ٤٥ﵞ ﵝالبَقَرَةِ : ﵕﵔﵜ ؛ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أمرنا بأن نُعظم من شأن هذه الصلاة ونعطيها هذا القدر الذي أنزلها شرعنا المطهر فإذًا لا بد أن يكون طالب العلم حريصًا على نفع من هم من أسرته وأقربائه بهذا الأمر وهو أمر الصلاة والعبادات كذلك تعليمهم الصيام، تعليمهم الأذكار الشرعية.

أي نعلمهم ونبين لهم الأذكار الشرعية ولو كان على سبيل الاختصار في كل فترة يعلمهم ذكرًا من الأذكار.

دعاءً من الأدعية التي هي مأثورة عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- حينما كان يقول دعاء القنوت في بعض المرات، سمع منه الحسن -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- هذا الدعاء فنقله عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كلمات جميلة يسمعها من النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يتأثر بها.

«اللَّهمَّ اهدِني فيمَن هدَيتَ، وعافِني فيمَن عافَيتَ، وتَولَّني فيمَن تولَّيتَ ...» ([18]) الحديث.

هذا الصبي الصغير حينما يسمع مثل هذه الدعوات الجميلة يتأثر بها يتقرب من ربه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أنت يا طالب العلم حينما تبين لهؤلاء أفراد أسرتك تبين لهم هذه الأدعية وهذه الأذكار الجميلة الجليلة تبين لهم أثرها في نفسية هذا الطفل.

 وفي نفسية هذه المرأة كذلك المرأة إذا كانت على شيءٍ من العلم تبين هذا الأمر لزوجها إن كان يجهل هذه المعاني وهذه الأذكار الطيبة النافعة التي فيها حفظ له بعد حفظ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، فلا بد أن يتناصح الزوجان ويتاوصوا بهذا الحق وبهذه الأمور الطيبة كذلك تعليمهم القرآن لا بد أن يحرص الرجل وطالب العلم في نفسه على التزود من هذا القرآن قراءةً واستماعًا وتأملًا وتلاوة يقرأ من كتاب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- يتقرب إلى ربه يتلذذ بهذه العبادة وهي قراءة القرآن والتزود من هذه الخيرات.

كذلك يحث أهله على حفظ كتاب الله أبناءه هؤلاء الأطفال الصغار لا بد أن يعودهم ويكون له أثر في تحفيظهم لكتاب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- فالطفل إن نشأ على هذا القرآن ونشأ على هذه الإيمانيات الجميلة التي في كتاب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أثر ذلك في شخصية هذا الطفل وفي شخصية هذه الطفلة مع الوقت يظهر هذا الأثر أثر القرآن فيهم.

النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يفعل هذا مع هؤلاء الأطفال كما يذكره جندب -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قال: «كنَّا معَ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ونحنُ فتيانٌ حزاورةٌ فتعلَّمنا الإيمانَ قبلَ أن نتعلَّمَ القرآنَ ثمَّ تعلَّمنا القرآنَ فازددنا بِه إيمانًا»([19]).

حزاورة: أي ما بلغنا بعد.

فالنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان حريصًا على تعليم هؤلاء الأطفال تعليمهم القرآن، تعليمهم الإيمانيات التي تكون في قلوبهم تجعل هذا القلب قويًا مستمسكًا بالله مستعينًا بالله ليس بقلب ضعيف مهزوز كلما جاءت فتنة أو كلما جاءت من الأمور التي قد تهز هذا القلب اهتز.

لا بل لا بد أن يكون قلب المؤمن قويًا معتصمًا بربه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- قال: ﵟقَالَ كـَلَّآۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهۡدِينِ ٦٢ﵞ ﵝالشُّعَرَاء : ﵒﵖﵜ.

قلب قوي متعلق بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- ليس بقلب ضعيف مرت عليه من ضغوطات هذه الحياة ومن صعوبات هذه الدنيا ومن شدائد هذه الحياة تجده إن لم يتعلق بربه تجده ضعيفًا منكسرًا، ماذا أفعل وماذا أقول، وماذا كذا.

ولماذا؟ ولماذا يصاب المسلم بهذا العجز وهذا الضعف إلا بسبب بعده عن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، حينما يتقوى هذا القلب بربه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، ويكون قويًا بذكره لله لا يضعف أمام هذه الشدائد بل يكون قويًا مستمسكًا بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، مستحضرًا أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- معه.

يعرف أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- يحفظه ويكلأه بعينه التي لا تنام سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- فإذًا لا بد من تعليم هؤلاء الأطفال وهذه الأسرة تعليمها هذه الإيمانيات وهذا الأمر الذي فيه التعلق بكتاب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

كذلك من الأمور الجميلة التي يحرص عليها طالب العلم في تأثيره على أسرته تعليمهم العلم النافع، وحثهم على مجالسة العلم والعلماء.

أخرج ابن عبد البر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَاَلَى- في كتابه الجميل الكتاب الماتع [جامع بيان العلم وفضله] أخرج بسنده إلى سليمان التيمي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَاَلَى- قال: قال لقمان لابنه: مَا بلغت من حِكْمَتكَ؟ قَالَ: َلَا أَتَكَلَّفُ مَا لَا يَعْنِينِي.

أي أني لا أفعل شيء ولا أدخل في شيء لا يعنيني.

قال: يا بني إنه قد بقي شيء آخر، ما هو هذا الشيء الآخر؟ جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن الله يحيي القلوب الميتة بالحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء.

أي أن هذه القلوب إن مرضت وإن ماتت فحياتها إنما تكون بأي شيء؟ بهذا العلم الشرعي، فإذًا لا بد أن يكون طالب العلم مؤثرًا في هؤلاء الذين هم بالقرب من أسرته من أفراد أسرته وعائلته أن يكون حريصًا على تعليمهم العلم، لا يُشترط أنك تعلمهم حتى يصيروا من العلماء، لا.

لكن علمهم من العلم ما ينفعهم، علمهم من العلم ما يجعلهم في وقاية من الشرور والفتن، ومن الأخطار، علمهم ما يكون فيه بعد لهم عما يُغضب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- فإن القلب إذا مرض أو مات حياته بالعلم، حياته بالقرب من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

وأخرج كذلك ابن عبد البر -تَعَاَلَى- عن ابن أبي حسين قال: بلغني أن لقمان كان يقول يا بني لا تتعلم العلم لتباهي به العلماء وتماري به السفهاء وتراءي به في المجالس ولا تدع العلم زهدًا فيه ورغبةً في الجهالة، يا بني اختر المجالس على عينك أي اختر من المجالس ما يكون فيه النفع لك.

اختر المجالس على عينك فإذا رأيت قومًا يذكرون الله فاجلس معهم فإنك إن تكن عالمًا ينفعك علمك وإن تكن جاهلًا يعلموك ولعل الله -عَزَّ وَجَلَّ- يطلع عليهم برحمة فتصيبك معهم وإذا رأيت قومًا لا يذكرون الله فلا تجلس معهم، فإنك إن تك عالمًا لا ينفعك علمك وإن تكن جاهلًا يزيدوك عيًا ولعل الله -عَزَّ وَجَلَّ- يطلع عليهم بعذاب فيصيبك معهم.

فإذًا على طالب العلم أن يكون حريصًا على إيصال هذا العلم النافع لهذه الأسرة ولهؤلاء الأطفال وللزوجة والأهل والأقرباء أن يكون حريصًا على إيصال العلم النافع لهم هذه الأيام تيسرت سبل العلم بإمكانك أن ترسل لهم مقطعًا مفيدًا نافعًا من أهل العلم الذين عرفوا بالعقيدة الطيبة.

والكلام النافع والعلم الطيب النافع، فتوصل لهم مثلًا كلمةً صوتية مقروءةً إلى غير ذلك من العلوم النافعة التي توصل لهم هذه الأمور الطيبة.

على طالب العلم أن يكون مؤثرًا في أسرته في هذه الجوانب.

كذلك هناك نقطة ولعلنا نجعلها في ختام حديثنا وهي أنك إن أردت القرب من أهلك وقرابتك وأطفالك فلا بد أن تكون كريم النفس كريم الطباع كريم اليد، لا يُقبل الكلام من بخيل، الذي يبخل على الناس بكلامه أو يبخل بأسلوبه الجميل أو يبخل بماله أو يبخل معهم بفزعته لهم أي بإعانته لهم هذه الجوانب لا يقبل من بخيل لا يقبل منه مثل هذه النصائح.

فعلى طالب العلم أن يكون حريصًا على الكرم حريصًا على كرم النفس، حريصًا على كرم اليد لا بد أن يكون طالب العلم مراعيًا لهذه الجوانب، يريد أن يكون لك أثرٌ في أسرتك لا بد أن تبذل ما عندك من أخلاقٍ جميلة وأسلوب طيب كما سبق أن تحدثنا عنه.

تبذل كذلك ما في وسعك من هديةٍ من نفقة كذلك من صدقة من نحو ذلك من الأمور التي ينبغي أن تسارع إليها وأن تسابق إليها فأنت في نظر الناس أنت مطالب بأكثر مما يطالب به غيرك.

فلا بد أن تتحلى بهذه الصفات النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان أكرم الناس -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وكان يبادر إلى الإحسان إلى الناس وإعطائهم لا سيما بعض النفوس التي قد تكسبها بهذا المال، قد تكسبها بالعطاء الجميل بقدر ما تستطيع وبما هو في وسعك.

وكلما كانت المسلم صاحب يدٍ ممدودة للناس وخاصةً من هم بالقرب منه من أهله ومن ذويه ومن زوجته من أسرته كان كلامه أدعى للقبول.

أما إن كان بخيلًا شحيحًا لا يمد يده بل إنما إذا تكلم إنما تكلم ببعض الكلام الذي قد يُقبل منه وقد لا يقبل لأنه يعرفون طباعه وأنه قد شَح بماله وبخل بمسألة النفقة وبعد ذلك.

لا بد أن يكون طالب العلم مؤثرًا في غيره بتحليه بالصفات الطيبة، النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كما جاء في الصحيحين من حديث أبي مسعود البدري قال: إذا أنفق الرجل على أهله نفقةً يحتسبها فهي له صدقة أي أنه قد أدى ما عليه من الواجبات.

النفقة الواجبة أداها لكن كذلك أنفق على أهله على زوجته على عياله أنفق عليهم نفقةً أخرى غير النفقة الواجبة يحتسبها فهي له صدقة فهي له تدخل في باب الصدقات.

والنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كما جاء في حديث سعد قال لسعد -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: «إنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بهَا وجْهَ اللَّهِ إلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حتَّى ما تَجْعَلُ في  فِي امْرَأَتِكَ»([20])، تأمل إلى هذه الوصايا النبوية الجميلة التي فها من مراعاة جانب المودة والمحبة الذي يكون فيه استقرار لهذه الأسرىة وفيه ألفة بين هذين الزوجين حتى ما تجعل في فِي امرأتك.

ما الذي يمنعك؟ كونك طالب علم تمتنع عن إظهار هذه الأخلاق الجميلة في مثلًا فيما تجعله في فِي امرأتك من لقمةٍ جميلة تعطيها من هدية من كلمة طيبة من أسلوب جميل في تعاملك وفي أخلاقك معها كذلك المرأة هكذا بالنسبة لزوجها إذا كانت طالبة علم فتطالب بهذا الأمر لا تنظري فقط إلى أن الزوج هو الذي يطالب بالكلام الجميل الطيب بل كذلكم على المرأة أن تكون حريصة على زوجها أي أن تكون موصلةً له بالكلام الطيب أن تكون حريصة على إيصال الخير له بالكلام الطيب، بالدعوة الجميلة بالأسلوب الحسن.

ولا تثقل عليه بكثرة الطلبات وتنسى ما يجب عليها كذلك من التلطف وجمال الأسلوب ونحو ذلك من الكلام الحسن وقل لعبادي يقول للتي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم.

فكذلك على الرجل وعلى المرأة أن يقولوا معتادين على هذه الألفاظ وعلى هذه الكلمات وعلى ما يستطيعون مثلًا تقديمه للآخر.

كلٌ بحسب بحسبه وكلٌ بقدرته في إيصال الخير والنفع لهذا الطرف الآخر الزوج بهدية جميلة، هدية لا تنقص من مالك شيئًا تهديها إلى امرأتك تدخل السرور والفرح إلى قلبها.

ما الذي يضرك وهل ينقص من مالك شيئًا أم أن هم الواحد صار في تكديس هذه الأموال وفي تجميعها ثم يأتي الأجل ويقل فلان -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَاَلَى- أو فلانة رَحِمَها اللَّهُ تَعَاَلَى- ما الذي ينتفع منه الإنسان في تجميعه وتكديسه للمال؟ وحرصه على جمع المال ليلًا ونهارًا؟

بادر أخي الفاضل، بادري أختي الفاضلة، بادر المسلم يسارع في الخيرات، يسارع في الطاعات، حتى لا يأتي في وقت يريد أن يفعل فيقال هناك في ذاك الوقت لا ينفع الندم، فإذًا على طالب العلم أن يكون حريصًا على مد يده بالخير، مد يده بالمال و بالهدية مد يده بما يستطيع أن يهديه لأبنائه لأسرته لزوجته لا بد أن يكون في هذا الجانب اهتمام عند طالب العلم.

أن يكون مؤثرًا في هذا الجانب لا يريد أن يأمرهم فقط وهو قد شح وبخل بماله هذا لا يليق بطالب العلم وهو لديه الاستطاعة ولديه القدرة على بذل المعروف للناس خاصة الأبناء خاصة الزوجة.

خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهله؛ كما يقول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بل قد حذر النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- من الشح والبخل مع الأسرة ومع الأهل والأولاد.

قال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت»([21])، سماه النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- تضييع إذا بخل وشح بماله على من هم من أخص قرابته زوجته أبناءه وجاء في حديث أبي هريرة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يقول: «ما مِن يَومٍ يُصْبِحُ العِبادُ فِيهِ، إلَّا مَلَكانِ يَنْزِلانِ، فيَقولُ أحَدُهُما: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويقولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا»([22]).

دعاء على هذا الذي يبخل بماله على أقرب الناس إليه ودعاء للآخر بأن يزيد الله ماله وأن يجعل له خلفًا على ما ينفقه لذاك الذي قد كان كريمًا سخيًا في عطائه في كلامه مع أقرب الناس إليه.

والنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- صح عنه أنه قال: «اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول»، لا تبحث على الصدقات على الناس وقد قصرت في حق أقرب الناس إليك.

ابدأ بمن تعول هكذا وصية نبيك -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، البداية بمن هم تحت ولايتك تحت عهدتك ويسألك الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- عنهم لا تبحث عن الصدقات وأنت قصرت فيما هو واجب عليك بل على طالب العلم أن يكون حريصًا على الاقتداء بنبيه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- تأمل في سيرة نبيك -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام- كيف كان في تعامله مع زوجاته، مع أبنائه، مع أقربائه، مع أسرته.

كيف كان -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام- سخيًا كريمًا طيبًا كريم النفس كريم اليد كريم الطباع كريم الكلام، كريم السجايا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، لذلك وصفته أم المؤمنين -رَضِيَ اللهُ عَنْها- الصديقة بنت الصديق -رَضِيَ اللهُ عَنْها وعن أبيها- عائشة قالت: "كان خلقه القرآن -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام-".

وصدق ربنا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- في وصفه: ﵟوَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ ٤ﵞ ﵝالقَلَم : ﵔﵜ.

فإذًا معاشر الأفاضل معاشر الأخوات الفاضلات علينا أن نكون ممن سلك سبيل العلماء حقًا في طلب هذا العلم وفي النيل وفي السعي لنيل هذه الثمرات الرفيعة في الدنيا وفي الآخرة لنحظى ونفوز برضوان الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

وعلينا أن نقتدي بسلفنا الأوائل الذين رضي الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- عنهم والذين ساروا على درب المصطفى -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- نتأسى بهم نقتفي آثارهم -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم وأرضاهم- لا بد أن نكون في طلبنا للعلم مقتفيين لهذه الآثار متبعين لها، لا أننا ندعي مجرد دعوة فقط خالية من التطبيق خالية من التأثير على الناس لذلك قلنا ونعيد ونكرر لا بد لطالب العلم أن ينظر في هذا العلم الذي يطلبه هل أثر هذ العلم في نفسك ثم انظر هل أثر هذا العلم في غيرك؟

فإن كان ثمة خلل فليرجع المسلم على نفسه باللوم والعتاب واللجوء إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- والانطراح بين يديه ليصلح الله حاله ويعفو عن زلاته ويصلح له ما كان من عمله ويكون عمله على هدي النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- ويقول في دعائه: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث فاصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين".

نسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وآخر دعوانا أن الْحَمْدُ لله رب العالمين

 


 

([1]) مسند أحمد ط الرسالة (2790) ، صححه شعيب الأرناؤوط.

([2]) صحيح البخاري (893)، صحيح مسلم (1829).

([3]) سنن الترمذي ت شاكر (1705)، صحيح ابن حبان (4493)، صححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي (1705).

([4]) مسند أحمد ط الرسالة (24427)، صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (1219).

([5]) صحيح البخاري (5998).

([6]) صحيح البخاري (3749)، صحيح مسلم (2422).

([7]) سنن الترمذي ت شاكر (3895)، صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (285).

([8]) صحيح البخاري (5376)، صحيح مسلم (2022).

([9]) سنن الترمذي ت شاكر (2516)، مسند أحمد ط الرسالة (2669)، صححه الألباني في مشكاة المصابيح (5302 -[8]).

([10]) صحيح مسلم (2626).

([11]) صحيح البخاري (6483)، صحيح مسلم (2284).

([12]) صحيح البخاري (427)، صحيح مسلم (528).

([13]) صحيح البخاري (3371).

([14]) صحيح البخاري (3280).

([15]) الأدب المفرد (1095)، صححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (837/1095).

([16]) سنن أبي داود (5095)، سنن الترمذي ت شاكر (3426)، صححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود (5095).

([17]) سنن أبي داود (495)، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود (495).

([18]) سنن أبي داود (1425)، سنن الترمذي (464)، سنن النسائي (1745)، مسند أحمد (1718)، صححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود (1425).

([19]) سنن ابن ماجه (61)، صححه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجة (61).

([20]) صحيح البخاري (56)، صحيح مسلم (1628).

([21]) سنن أبي داود (1692)، مسند أحمد (6495)، حسنه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود (1692).

([22]) صحيح البخاري (1442)، صحيح مسلم (1010).