لماذا ابن تيمية ؟ | شبكة بينونة للعلوم الشرعية

لماذا ابن تيمية ؟


نسخة (PDF)نسخة (PDF)
التصنيفات

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فإنَّ الشيخَ تقيَّ الدين ابنَ تيمية أحدُ علماء الأمة المعروفين الذين شهد له بالتقدُّم في العلوم أئمَّةُ عصره، معترفين له بسعة علمه وزهده وشجاعته وقيامه في نصرة الإسلام والدعوة إلى الله تعالى، وقد كان محبوبًا لدى عامة الناس، وكان له محبُّون من الأمراء والعلماء والتجار والكبراء، حتى ذكر المؤرِّخون أنه اجتمع في جنازته عددٌ لا يوصف من الخلق، وقد ترجم له العديدُ من علماء عصره تراجم زاهية، كالحافظ البرزالي والذهبي وابن كثير وابن عبد الهادي وابن الوردي ومحمد بن إبراهيم الجزري وغيرهم، وكلُّها كتب مطبوعةٌ لرجالٍ عاصروا الشيخ وعرفوا علمه وفضله وزهده - رحمه الله -، وقد اجتمع على الثناء عليه غير واحد من علماء المذاهب الأربعة من معاصريه ومن بعدهم.

فمن علماء الحنفية الذين أثنوا على ابن تيمية: العلامة زين الدين عبد الرحمن التَفَهْنِي الذي انتهت إليه رياسة المذهب الحنفي في عصره حيث قال مثنيًا عليه: "كان عالما متفنِّنا متقلِّلاً من الدنيا، معرضًا عنها، متمكِّنًا من إقامة الأدلة على الخصوم، حافظًا للسنة، عارفًا بطرقها، عالمًا بالأصلين: أصول الدين وأصول الفقه ...".

والعلامة شمس الدين محمد بن عثمان الحنفي ابن الحريري قاضي قضاة مصر والشام حيث قال: "إن لم يكن ابن تيمية شيخ الإسلام فمن؟!"

ومن علماء المالكية: العلامة الفقيه شمس الدين البساطي المالكي قاضي المالكية في الديار المصرية حيث قال: "إن إمامة الشيخ تقي الدين ابن تيمية في العلم مما لا يحتاج إلى الاستدلال عليه، لحصول العلم الضروري عن الأخبار المتواترة بذلك".

ومن علماء الشافعية: تلميذه الحافظ الذهبي حيث قال عنه: "كان من بحور العلم، ومن الأذكياء المعدودين، والزهاد الأفراد، والشجعان الكبار، والكرماء الأجواد, أثنى عليه الموافق والمخالف، وسارت بتصانيفه الركبان". 

والعلامة كمال الدين ابن الزملكاني شيخ الشافعية في زمانه من معاصري الشيخ تقي الدين حيث قال: "كانت الفقهاء من سائر الطوائف إذا جالسوه استفادوا في مذاهبهم منه أشياء، ولا يُعرَف أنه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم سواء كان علوم الشرع أو غيرها إلا فاق فيه أهله، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها".

ومن علماء الحنابلة: الحافظ شمس الدين محمد بن عبد الهادي المقدسي حيث قال في ترجمته لابن تيمية: "هو الشيخ الإمام الرباني، إمام الأئمة، ومفتي الأمة، وبحر العلوم، سيد الحفاظ، وفارس المعاني والألفاظ" إلخ.

إلى آخر عبارات المدح والثناء التي أطلقها العلماء في حقِّ ابن تيمية رحمهم الله جميعا.

فشيخُ الإسلام ابن تيمية عالمٌ من علماء المسلمين الأفذاذ الذين أبلوا بلاءً مشهودًا في خدمة الإسلام ونصرته، وهو كغيره من العلماء يصيب ويخطئ ويُؤخذ من قوله ويُترك، كما قال الإمام مالكٌ رحمه الله: "كلٌّ يؤخذ من قوله ويُترك إلا صاحب هذا القبر" وأشار إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن من حقوقه وحقوق إخونه العلماء علينا : الدفاع عنهم ضد من يتجنى عليهم أو يريد تشويههم أو يتهمهم بما ليس فيهم، وإذا كان الدفاع عن عرض آحاد المسلمين من الأعمال المنجيات كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: « من رَدَّ عن عرض أخيه رَدَّ الله عن وجهه النَّار يوم القيامة » فكيف بأعراض العلماء والأئمة ؟ ولئن كان التعصُّب للرجال مذمومًا فإنَّ الدفاع عن أهل العلم بالحق وبيان منهجهم الوسطي المعتدل وسيرتهم المشرقة من القربات .

وإنَّ النَّاظر في الواقع يجدُ عمق أثر كتابات شيخ الإسلام ابن تيمية في المجتمعات الإسلامية من القرن الثامن الهجري وإلى الآن في تأكيد القضايا التي تحافظ على الأمة الإسلامية وتصونها، والتي منها:

1- الدعوة إلى الاعتصام بالمنهج النبوي وما كان عليه الصحابة الكرام وأصحاب القرون المفضَّلة، والبعد عن الخلاف والشقاق.

2- الدعوة إلى الأصول التي دعا إليها الأئمة الأربعة من العناية بالاتباع وترك التعصب المؤدي إلى التنازع والافتراق.

3- تقرير وسطية أهل السنة والجماعة في مسائل الاعتقاد سيما فيما يتعلق منها بصفات الله تعالى من إمرارها كما جاءت والإمساك عن تحريفها وتعطيلها.

4- الدعوة إلى احترام الصحابة والمحافظة على مكانتهم وأعراضهم.

5- التحذير من ظاهرة الغلو والتكفير.

6- التصدي للمذاهب والحركات الهدامة التي تفسد الدين والدول الإسلامية وتمهد للاستعمار من مثل الحركات الباطنية والمذاهب الحلولية وغيرها.

7- مواجهة الغزو الديني والثقافي من مثل التصدي للتنصير، والردُّ على الكتب التي أُلِّفت ضد الإسلامِ والقرآنِ الكريمِ والنبيِّ صلى الله عليه وسلم.

8- الدعوة إلى طاعة ولي الأمر بالمعروف والصبر عليه والتزام بيعته.

9- التعاون مع ولاة الأمور في التصدي للأخطار الخارجية المتنوعة، والتي كان منها في عصر الشيخ: مثل الحملات التي كان يشنها الصليبيون ضد بلاد المسلمين، والأخطار التي تستَّرت بالشعارات الدينية كما حصل من التتار كما سيأتي بيانه.

10- التفاني في الدعوة إلى الله، والتجرد عن الأغراض والأطماع الشخصية .

11- الحرص على نشر الإسلام وإظهار صفائه ونقائه، حتى أسلم على يدي الشيخ بذلك جماعةٌ من أهل الكتاب.

إلى غير ذلك من المسائل والقضايا.

فكلُّ من قرأ كتب شيخ الإسلام ابن تيمية بإنصافٍ وموضوعيَّةٍ يلحظ هذه المعاني جيدا، بل يجد مادَّةً علميَّةً غزيرةً في تقرير القضايا المذكورة وغيرها، ولذلك فقد كانت لكتابات ابن تيمية حضورًا بارزًا في واقع كثير من حملة العلم المعروفين بالوسطية والاعتدال، حيث تُعتبر هذه الكتب مرجعا من مراجع العلم والثقافة الإسلامية المعتدلة، وغصَّةً في حلوق التكفيريين وأصحاب الخطاب المتطرف والثوري بأنواعه.

وبعد هذه المقدِّمة أقول:

إنَّ من الظواهر التي تحتاج إلى علاج: ظاهرة القدح في العلماء الربانيين وانتقاصهم، خاصة مِن قِبَل أصحاب الأفكار الثورية الذين جعلوا الطعن في الأمراء والعلماء طريقًا إلى تنفيذ ما يريدون من تحريض وتأليب وإرباك لتعاليم الإسلام الصحيحة والدولة المسلمة ، ومن هؤلاء العلماء الذين جعله البعض في مرمى سهامهم بالقدح والاتهام بأمور لا تمتُّ إليه بصلة: شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية، فقد تواطأت عليه فئات عدة، فمنهم:

 الثوريون الذين يرون في تأصيلات ابن تيمية حجر عثرة في طريقهم، ومنهم: الليبراليون الذين يتخذون من التهجم على ابن تيمية ستارا للقدح في مذاهب الفقهاء وإجماعاتهم لتمرير آرائهم، ومنهم: الذين يميلون إلى عقائد الشيعة والمعتزلة كحسن السقاف وعدنان إبراهيم وغيرهما، ومنهم: الشيعة الذين انبرى ابن تيمية لنقض أصولهم وبالخصوص شبهاتهم التكفيرية ضد الصحابة الكرام رضي الله عنهم، ومنهم: الأشعرية الذين أثرى ابن تيمية أساليب الرد عليهم في بعض المسائل العقائدية وبالخصوص المتأخرين منهم الذين خالفوا أبا الحسن الأشعري رحمه الله في أمور عدة.

ومن المؤسف أن بعض هؤلاء المذكورين يصرِّح بتكفير ابن تيمية من جهة، ومن جهة أخرى كلُّهم يشتركون في الفكر الثوري والتحريض على الحاكم المسلم ، بل منهم من يصرِّح بجواز الخروج على الحاكم بالسَّيف، كالسقاف وعدنان إبراهيم موافقةً منهما للخوارج والمعتزلة والزيدية، ومنهم من يبيح إسقاط الحكومات والأنظمة التي يوصف حكامها بالجور، ويُجيزُ الخروج عليها عن طريق الثورات والمظاهرات، وينسب ذلك إلى الشريعة الإسلامية، كما صدر ذلك من بعض رموز الأشعرية في هذا العصر، كما أن هناك آخرين وقعوا في الخديعة فتأثروا بالدعايات التي قيلت ضد ابن تيمية وإن كانت لهم اتجاهات أخرى.

ولهذا سنسلط الضوء في المقال على ثلاث شُبَه، بعضها بتفصيلٍ وبعضها بإيجاز، وهي:

(1) اتهام ابن تيمية بالتطرف والإرهاب وأنه ملهمٌ للتكفيريين والجماعات المتطرفة.

(2) نسبة التشدد إليه في الموقف من المرأة.

(3) نسبة الانحراف إليه في مسألة الصفات الإلهية، وسنتعرَّض إليها في موضعها بإيجاز.

فأما ما يتعلق بالشبهة الأولى فنجيب عنها من زاويتين:

الأولى: دفع التهمة من واقع كتابات ابن تيمية ومواقفه العملية.

الثانية: بيان منابع الأفكار الثورية والإرهابية الحقيقية في هذا العصر.

فأما ما يتعلق بالنقطة الأولى وهي:

أولا: دفع تهمة التطرف من خلال كتابات ابن تيمية:

فأقول إنَّ من الأمور التي عالجها ابن تيمية رحمه الله في مؤلفاته قضايا التكفير وظاهرة الغلو في الدين، وقد تبدَّى ذلك في مظاهر عدة، منها:

(1) الردُّ على استدلالات الخوارج ومعتقداتهم التكفيرية وشبهاتهم في استباحة دماء المسلمين.

(2) تقريرُ عقيدة أهل السنة والجماعة من أنه لا يجوز تكفير المسلم بذنبٍ فعله.

(3) سدُّ باب تكفير المسلم في المسائل التي تنازع فيها أهل القبلة وتعظيم حرمة الدماء.

يقول ابن تيمية في ذلك: "لا يجوز تكفير المسلم بذنبٍ فعله، ولا بخطأٍ أخطأ فيه كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة".

ولذلك صرَّح بأنه "لا يحلُّ لأحدٍ من الطوائف الإسلامية أن تكفِّر الأخرى، ولا تستحلَّ دمها ومالها، وإن كانت فيها بدعةٌ محقَّقة"، وأنَّ "الأصل أنَّ دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم محرَّمةٌ من بعضهم على بعض، لا تحلُّ إلا بإذن الله ورسوله".

بل رجَّح في مسألة تكفير الخوارج التي اختلف فيها علماء المذاهب على قولين مشهورين أن الصحيح عدم تكفيرهم، ثم استدلَّ بذلك على أنه لا يجوز تكفير الطوائف الإسلامية، فإنَّ الخوارج ثبت ضلالهم بالنص والإجماع ومع ذلك لم يكفِّرهم عليٌّ رضي الله عنه.

(4) التشديدُ في تكفير المعين، وتقييد ذلك بوجود الشروط وانتفاء الموانع وإقامة الحجة، وأنَّ من ثبت إيمانه بيقين لم يزل عنه بالشكوك والظنون.

يقول ابن تيمية: "ليس لأحد أن يكفِّر أحدًا من المسلمين، وإن أخطأ وغلط، حتى تقام عليه الحجة وتُبيَّن له المحجة، ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك".

ويقول أيضًا :"إني دائما ومن جالَسني يعلم ذلك منِّي: أنِّي من أعظم الناس نهيًا عن أن يُنسب مُعيَّنٌ إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا عُلم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة وفاسقا أخرى وعاصًيا أخرى".

إلى أن يقول: "وكنتُ أبيِّنُ لهم أنما نُقل لهم عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضًا حقٌّ، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين" إلخ.

(5) الردُّ على الخوارج في غلوِّهم في الحاكمية، وتقريرُ أنه لا يجوز تكفير من حكم بغير ما أنزل الله ما لم يكن مستحلا.

يقول ابن تيمية في معنى قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}: "أي: هو المستحلُّ للحكم بغير ما أنزل الله".

ويقول أيضا في معنى قوله تعالى: {فلا وربِّكَ لا يؤمنون حتى يُحكِّمُوك فيما شجر بينهم}: أي: "من لم يلتزم تحكيم الله ورسوله فيما شجر بينهم"، ثم يقول: "وأما من كان ملتزما لحكم الله ورسوله باطنا وظاهرا، لكن عصى واتبع هواه، فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة، وهذه الآية مما يحتج بها الخوارج على تكفير ولاة الأمر الذين لا يحكمون بما أنزل الله، ثم يزعمون أن اعتقادهم هو حكم الله، وقد تكلم الناس بما يطول ذكره هنا، وما ذكرتُه يدلُّ عليه سياق الآية".

وما ذكره شيخ الإسلام هو الذي قرَّره العلماء المعاصرون الذين تصدوا للجماعات المتطرفة حتى كفَّرهم بذلك بعض الإرهابيين، ومن ذلك ما كتبه الشيخ الألباني رحمه الله ثم علَّق عليه الشيخ ابن باز رحمه الله بقوله: "اطلعتُ على الجواب المفيد القيِّم الذي تفضل به صاحب الفضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني وفقه الله المنشور في صحيفة (المسلمون) الذي أجاب به فضيلته مَن سأله عن (تكفير من حكم بغير ما أنزل الله من غير تفصيل)، فألفيتها كلمةً قيمة, قد أصاب فيها الحق, وسلك فيها سبيل المؤمنين، وأوضح وفقه الله أنه لا يجوز لأحدٍ من الناس أن يكفِّر مَن حكم بغير ما أنزل الله بمجرد الفعل من دون أن يعلم أنه استحلَّ ذلك بقلبه، واحتجَّ بما جاء في ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن غيره من سلف الأمَّة" إلخ.

(6) نقض شبهات الشيعة في تكفير الصحابة رضي الله عنهم.

(7) الحث على لزوم الجماعة وتآلف القلوب واجتماع الكلمة.

يقول ابن تيمية: "إنَّ من القواعد العظيمة التي هي من جماع الدين: تأليف القلوب واجتماع الكلمة وصلاح ذات البين، فإن الله تعالى يقول: {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم} ويقول: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}، ويقول: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم}، وأمثال ذلك من النصوص التي تأمر بالجماعة والائتلاف وتنهى عن الفرقة والاختلاف".

ومن ذلك قوله: "يسوغ أن يترك الإنسانُ الأفضلَ لتأليف القلوب واجتماع الكلمة"، ويعلِّل ذلك قائلاً: "لأنَّ مصلحة التأليف في الدين أعظمُ من مصلحة فعل مثل هذا، كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم تغيير بناء البيت؛ لِمَا رأى في إبقائه من تأليف القلوب".

(8) تقريرُ عقيدة أهل السنة والجماعة في طاعة ولاة الأمور، وتحريم الخروج عليهم وإن جاروا وظلموا، والردُّ على من يخالف في ذلك من الخوارج والمعتزلة وغيرهم، وذلك في مواضع عدة من مؤلفاته، منها على سبيل المثال:
قوله: "وفي صحيح مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « سيكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع »، قالوا: أفلا نقاتلهم قال: « لا، ما صلوا »، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتالهم مع إخباره أنهم يأتون أمورا منكرة، فدل على أنه لا يجوز الإنكار عليهم بالسيف كما يراه من يقاتل ولاة الأمر من الخوارج والزيدية والمعتزلة وطائفة من الفقهاء وغيرهم.
وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إنكم سترون بعدي أثرة وأمورا تنكرونها »، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: « تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم »، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الأمراء يظلمون ويفعلون أمورا منكرة، ومع هذا فأمرنا أن نؤتيهم الحق الذي لهم، ونسأل الله الحق الذي لنا، ولم يأذن في أخذ الحق بالقتال ولم يرخص في ترك الحق الذي لهم.

وفي 
الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية »، وفي لفظ: « فإنه من خرج من السلطان شبرا فمات مات ميتة جاهلية » واللفظ للبخاري، وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم لما ذكر أنهم « لا يهتدون بهديه ولا يستنون بسنته »، قال حذيفة: كيف أصنع يا رسول الله، إن أدركت ذلك؟ قال: « تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع »، فهذا أمر بالطاعة مع ظلم الأمير.

وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم: « من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدا عن طاعة »، وهذا نهي عن الخروج عن السلطان وإن عصى"
 إلخ، انتهى كلام الشيخ رحمه الله.

(9) النهيُ عن الثورات، وتقريرُ أنها لا تولِّدُ إلا الشرور.

يقول ابن تيمية: "قَلَّ مَن خرج على إمامٍ ذي سلطان إلا كان ما تولَّد على فعله من الشَّرِّ أعظمَ ممَّا تولَّد من الخير، كالذين خرجوا على يزيد بالمدينة، وكابن الأشعث الذي خرج على عبد الملك بالعراق، وكابن المهلب الذي خرج على ابنه بخراسان، وكأبي مسلم صاحب الدعوة الذي خرج عليهم بخراسان أيضًا، وكالذين خرجوا على المنصور بالمدينة والبصرة، وأمثال هؤلاء".

ويقول أيضا: "كان أفاضلُ المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة، كما كان عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وغيرهم ينهون عام الحرة عن الخروج على يزيد، وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث، ولهذا استقرَّ أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة، للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم".

ثانيا: دفع تهمة التطرف عن ابن تيمية من خلال واقعه العملي:
إن الناظر في الواقع العملي لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يرى ما تجلى في سيرته من الدعوة إلى الوحدة والاجتماع، والالتفاف حول ولاة الأمور، والتعاون معهم في مواجهة التحديات سواء على الصعيد الداخلي أو على صعيد الأخطار الخارجية.
فمن مظاهر ذلك:

(1) توقيرُه لولاة الأمور، وحسنُ مخاطبته لهم، والتواصلُ المباشر معهم لإسداء النصيحة والمشورة، ومحبةُ ولاة الأمور له.
ومن النماذج على ذلك: رسالة ابن تيمية إلى الملك الناصر محمد بن قلاوون سلطان مصر والشام والحجاز في زمانه، يقول في مبتدئها: "من أحمد ابن تيمية، إلى سلطان المسلمين، ووليِّ أمر المؤمنين، نائب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته، بإقامة فرض الدين وسنته، أيَّده الله تأييدا يصلح به له وللمسلمين أمر الدنيا والآخرة، ويقيم به جميع الأمور الباطنة والظاهرة، حتى يدخل في قول الله تعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور}، وفي قوله صلى الله عليه وسلم: « سبعةٌ يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمامٌ عادل »" إلخ. 

وكان الملك الناصر محبًّا لابن تيمية، مثنيًا عليه، حتى قال بعض من حضر إحدى مجالس السلطان: "فشرع السلطان يثني على الشيخ عند الأمراء والقضاة بثناء ما سمعته من غيره قط".

(2) وقوفُه مع ولاة الأمر في التصدي لعدوان التتار، وحضُّه الناس على الالتفاف حولهم، وكشفُ زيف الشعارات الدينية التي رفعها التتار لتحريض الناس ضد حكامهم.

ومن صور ذلك: أنَّ ابن تيمية ذهب بنفسه من الشام إلى مصر ليلتقي بالملك الناصر ومن معه من الأمراء والوزراء، ليحضَّهم على صدِّ عدوان التتار، وعندما استشكل بعض الناس التآزر مع ولاة الأمور في هذه القضية، وحصل منهم تردُّد، لأنَّ التتار كانوا قد تسربلوا بلباس الإسلام، ورفعوا شعارات دينية مفادها: أنهم أحقُّ بالملك والسلطان من الحكام الفعليين، وأنَّ الحكَّام الموجودين خارجون عن طرائق الدين، وأنهم – أي التتار - إنما يريدون إقامة شرع الله تعالى والعدل بين الناس، حتى إنَّ غازان ملك التتار كتب لأهل دمشق فرمانا، أوردته كتب التاريخ، ملأه بهذه الشعارات، من مثل اتهام حكام مصر والشام بالظلم ومخالفة الشرع، وتبرير حملة التتار العسكرية ضد بلاد المسلمين بأنها من باب "الحميَّة الدينية والحفيظة الإسلامية لإزالة العدوان والفساد"، كما جاء ذلك في الفرمان المذكور.

فما كان من ابن تيمية إلا أن كشف زيف هذه الدعاوى المغرِّرة، وأقام الحجج الشرعية على زيفها، ودعا الناس إلى الالتفاف حول ولاة الأمور وعدم الاغترار بتحريضات التتار، وبيَّن أنهم من جنس الخوارج الذين يخرجون على المسلمين ويدَّعون أنهم أحق بالملك والسلطان، ثم شارك بنفسه في أرض المعركة وأبدى شجاعةً فائقةً وبلاءً مشهودًا، حتى كتب الله النصر لعباده وهزم التتار المعتدين.

(3) أنَّ ابن تيمية مع ما لاقاه من أذى وحبس لم يحرِّض على ولاة الأمور، ولم يؤلِّب الناس عليهم، مع ما كان لكلامه من صدى مسموع، ومع وجود أنصار له ومحبين، وما كان له من شعبية كبيرة ومحبة في قلوب العامة.

(4) أنه لم يكفِّر أحدًا من خصومه، مع ما لاقاهم منهم من أذى وتكفير وتبديع، بل كان متسامحا معهم، مغلِّبًا جانب العفو والصفح.

ومن مواقف الشيخ في ذلك:
(أ) أنه عندما استفتاه السلطانُ الناصرُ في قتل بعض القضاة الذين كانوا قد خلعوه وبايعوا غيره، وأراد أن يوغر صدر الشيخ ضدهم بإخراج فتاوى لبعضهم في قتله، فما كان من الشيخ إلا أن صرفه عن ذلك، وشرع في مدحهم، والثناء عليهم، وقال بأن هؤلاء لو ذهبوا لم يجد مثلهم في دولته، ثم قال له: "أمَّا أنا فهم في حلٍّ من حقي ومن جهتي"، حتى سكنت ما عند السلطان تجاههم.

وفي ذلك يقول القاضي ابن مخلوف:"ما رأينا مثل ابن تيمية، سعينا في دمه، فلمَّا قدر علينا عفا عنَّا".

(ب) عندما اعتدى عليه الفقيه البكري أحد المبغضين له وأراد جماعةٌ الانتصار منه لم يمكنِّهم الشيخ من ذلك.

(ج) أنه لما تفرَّد به جماعةٌ بجامع مصر واعتدوا عليه بالضرب، واجتمع بسبب ذلك خلقٌ كثير من الرجال والفرسان وجاؤوا إلى الشيخ وقال له بعضهم: "يا سيدي قد جاء خَلْقٌ لو أمرتهم أن يهدموا مصر كلها لفعلوا"، ثم قالوا له: "نحن نذهب إلى بيوت هؤلاء الذين آذوك، فنقتلهم، ونخرِّب دورهم"، فنهاهم الشيخ عن ذلك وزجرهم، فما زالوا يجادلونه وهو ينهاهم، في حوار عجيب وتسامحٍ قلَّ له نظير، حتى أنهم قالوا له: "فهذا الذي فعلوه معك هو حلال لهم؟!"، فقال: "هذا الذي فعلوه قد يكونون مثابين عليه مأجورين فيه"، فقالوا: "فتكون أنت على الباطل وهم على الحق؟! فإذا كنتَ تقولُ إنهم مأجورين فاسمع منهم ووَافِقْهُم على قولهم!"، فقال لهم: "ما الأمرُ كما تزعمون، فإنهم قد يكونون مجتهدين مخطئين، ففعلوا ذلك باجتهادهم، والمجتهد المخطىء له أجر"، حتى صرفهم عما عزموا عليه من الانتقام له.

(د) أنه لم يَدْعُ على أحدٍ من خصومه، بل كان يدعو لهم.

فمن ذلك: أنه عندما حُبِس مع أخيه شرف الدين ودعا أخوه على الذين تسببوا في حبسه قال له: "بل قل: اللهم هب لهم نورًا يهتدون به إلى الحق".

حتى قال تلميذه ابن القيم: "كان بعض أصحابه الأكابر يقول: (وَدِدْتُ أنِّي لأصحابي مثلَهُ لأعدائِه وخصومِه)".

ثم قال ابن القيم: "ما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم، وجئتُ يوما مبشِّرًا له بموت أكبر أعدائِهِ وأشدِّهم عداوةً وأذًى له، فنهرني، وتنكَّر لي، واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله، فعزَّاهم، وقال: (إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه)، ونحو هذا من الكلام، فسرُّوا به، ودعوا له، وعظَّموا هذه الحال منه".

وليس غريبًا مثلُ هذا التسامح على شيخ الإسلام، فهو يقول : "العارفُ لا يرى له على أحدٍ حقًّا، ولا يشهد له على غيره فضلاً، ولذلك لا يعاتب ولا يطالب ولا يضارب".

فأين هذه التقريرات الوسطية والمواقف المعتدلة التي تحفظ على المسلمين مصالحهم وتصون ديارهم والتسامح الجم والعفو والصفح والأخلاق الإسلامية الرفيعة من واقع الجماعات الإرهابية والمتطرفة؟!!
أين الثرى من الثريا؟!!

لقد خالَفَت الجماعاتُ المتطرفة ابن تيمية في تلك الأمور كلها: فوقعوا في تكفير المسلمين، وأوجبوا الخروج عليهم، واستباحوا سفك دمائهم، وآثروا تفريق كلمتهم، ولو ذكرنا ما ابتُليت به هذه الجماعات من المواقف المزرية والأفكار المنحرفة لطال بنا المقام.
وإذا كان شيخُ الإسلام قد قرَّر مرارًا وتكرارًا لزوم بيعة الحكام وتحريم الخروج عليهم وإن جاروا وظلموا، فإنَّ التنظيمات الإرهابية تتبنى خلاف ذلك تمامًا، فمنهم من يُطلق القول بجواز الخروج على الحاكم الجائر، ومنهم من يزعم أن النُّصوص الشرعية الناهية عن الخروج مخصوصةٌ بالظلم المتعلق بحقوق النفس دون الدِّين، كما صرَّح بذلك جهيمان زعيم التنظيم المسلح الذي اعتدى في الحرم المكي، ومنهم من يدَّعي أنَّ الأحاديث الناهية مخصوصةٌ بالفسق النادر الذي يصدر من الحاكم، وأما إذا كان الفسق كثيرا فلا بد من خلع الحاكم ولو بالقتال، كأبي بصير الطرطوسي وأبي مصعب السوري وغيرهما من منظِّري تنظيم القاعدة والجماعات المقاتلة، مستدلين في ذلك بأقوال بعض الأشاعرة، كقول الجويني الأشعري في كتاب (غياث الأمم) بأنَّ مَنْعَ الخروج على الإمام بالفسق إنما هو في نوادر الفسق، وأما إذا فشا ذلك منه فلا بدَّ من خلعه ولو بإراقة دماءٍ وإهلاك أنفسٍ إذا تحقق بذلك المقصود.

ومستدلين أيضا بقول الجويني الأشعري في كتاب (الإرشاد في أصول الاعتقاد) في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:"إذا جار الوالي، وظهر ظلمُه وغَشَمُه، ولم يَرْعَوِ عما زُجِر عن سوء صنيعه بالقول، فلأهل الحل والعقد التواطؤ على درئه، ولو بشهر الأسلحة ونصب الحروب". 

وبقول الجرجاني الأشعري في (شرح المواقف): "للأمة خلع الإمام وعزله بسببٍ يوجبه، مثل أن يُوجَدَ منه ما يوجب اختلال أحوال المسلمين وانتكاس أمور الدين، كما كان لهم نصبه وإقامته لانتظامها وإعلائها، وإن أدى خلعه إلى الفتنة احتُمِل أدنى المضرتين".

وهكذا تتلاعب تلك التنظيمات الإرهابية بالأحاديث النبوية، وتفسِّرها بحسب أهوائها، وتنبش في بطون الكتب وفي أقاويل بعض العلماء عما يوافق معتقداتها وأفكارها، فهم أبعد ما يكونون عن وسطية شيخ الإسلام واعتداله، ولذلك فإنَّ على الحريصين على تتبع الأفكار المتطرفة وجذورِها وعلاجِها أن يكونوا على تصوُّرٍ صحيحٍ ووعيٍ كافٍ بذلك، فإنَّ تجفيف منابع الإرهاب يستدعي معرفةً دقيقةً خصوصًا بالشبهات المثارة.

ومما ننبِّه عليه في هذا الصدد ما جاء في كتاب (المتاجرون بالدين ورموز الفتنة) الصادر عن مركز مزماة ص91: "ومعلوم أن آراء ابن تيمية تروق كثيرا لكل من يميلون إلى التكفير والغلو والتطرف".

فهذا أمرٌ مجانبٌ للصَّواب كما سبق بيانه، فإنَّ من يقارن بين آراء ابن تيمية وواقع الجماعات المتطرفة يجد النقيض في مقابل النقيض، فأين آراء ابن تيمية الوسطية المعتدلة التي تنصبُّ في رعاية مصالح المسلمين وصون جماعتهم والالتفاف حول ولاة أمورهم وبالخصوص في أوقات الفتن من واقع من يميل إلى التكفير والغلو والتطرف؟!! لا يستويان مثلاً.

وأما فيما يتعلق باستشهادات بعض المتطرفين بعبارات شيخ الإسلام في التتار ببترها عن سياقها وتنزيلها على الحكام المعاصرين كما فعل محمد عبد السلام فرج صاحب كتاب (الفريضة الغائبة) الذي كانت له اليد الطولى في اغتيال السادات ثم أُعدم بسبب ذلك فهي استشهاداتٌ باطلةٌ مبنيَّةٌ على محضِ فهمٍ مغلوطٍ وتحميل الكلام ما لا يحتمل، بل أعظم من ذلك كلِّه ما ابتلي به الكاتب من الفهم المغلوط تجاه النصوص الشرعية التي استشهد بها على أفكاره، وممن ردَّ على الكتاب المذكور الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر الأسبق والشيخ عطية صقر الرئيس السابق للجنة الفتوى بالأزهر، حيث بيَّنا أنه لا إشكال في فتاوى ابن تيمية التي أصدرها في حقِّ التتار، لمعرفته بحقيقتهم وواقعهم، وإنما المشكلة هي من جهة الكاتب الذي قَاسَ حكام اليوم على أولئك التتار الذين تكلم عنهم ابن تيمية، وهو قياسٌ لا يصح، لأنه قياسٌ مع الفارق. 

ومن ذلك أيضا: استشهاد بعض المتطرفين بفتوى شيخ الإسلام في بلدة ماردين التي احتلها التتار، وهو استشهاد لا يمتُّ إلى الفتوى بصلة أيضا، بل إنَّ الفتوى تناقضه وتنقضه، ولذلك جاء في جواب أمانة الفتوى بدار الإفتاء المصرية برقم (3757) ما نصُّه: "لا يمكن أبدًا أن تكون فتوى ابن تيمية في حقِّ أهل ماردين سببًا في استباحة دماء المسلمين وأموالهم بمجرد بقائهم في بلادهم تحت سلطة الكفار المتغلبين عليهم، وابن تيمية في فتواه هذه ينطلق في رؤية إسلامية صرف، والتي تحتاط في الدماء والأموال بله التكفير إلى أبعد حد".

النقطة الثانية: بيان منابع الأفكار الثورية والإرهابية الحقيقية:
إن الناظر في واقع التنظيمات الإرهابية اليوم يعلم تماما أن منبعها ومؤسس أفكارها بلا منازع هو سيد قطب الذي تنضح كتاباته بتكفير المسلمين والخروج على حكامهم، والذي أنشأ تنظيمه المعروف وتم إعدامه بسبب ذلك.
وسنكتفي بإيراد بعض شهادات زعماء التنظيمات الإرهابية ورموز الفكر الجهادي ومنظِّري الأفكار التكفيرية في ذلك.

يقول عبد الله عزام أحد أبرز رموز الفكر الجهادي المعاصر: "الذين دخلوا أفغانستان يدركون الأثر العميق لأفكار سيد في الجهاد الإسلامي وفي الجيل كله فوق الأرض كلها، إن بعضهم لا يطلب منك لباسا وإن كان عاريا ولا طعاما وإن كان جائعا ولا سلاحا وإن كان أعزلا ولكنه يطلب منك كتب سيد قطب، وكم هزني أن أسمع أن هنالك قواعد جهادية في أفغانستان وعمليات حربية يطلق عليها اسم سيد قطب".

ويقول شكري مصطفى زعيم جماعة (التكفير والهجرة): "لقد انتشرت نزعات الكفر في مجتمعات المسلمين، وسرت تمور في جسد الأمة كالسم الزعاف لدرجة فاقت جاهلية ما قبل الإسلام، عندئذ رجعنا إلى أفكار الشهيد سيد قطب، وهو الذي طرق باب أزمة العقيدة في كتابه (في ظلال القرآن) حيث دق ناقوس الخطر محذرا من جاهلية القرن العشرين".

ويقول أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة: "كانت وما زالت دعوة سيد قطب إلى إخلاص التوحيد لله والتسليم الكامل لحاكمية الله ولسيادة المنهج الرباني شرارة البدء في إشعال الثورة الإسلامية ضد أعداء الإسلام في الداخل والخارج، والتي ما زالت فصولها الدامية تتجدد يوما بعد يوم، ذلك الطريق الذي كان للأستاذ سيد قطب رحمه الله دور كبير في توجيه الشباب المسلم اليه في النصف الثاني من القرن العشرين في مصر خاصة والمنطقة العربية والإسلامية عامة".

ويقول أيضا: "ظن الحكم الناصري أن الحركة الإسلامية قد تلقت ضربة قاضية بقتل سيد قطب ورفيقيه رحمهم الله واعتقال الآلاف من أبناء الحركة الإسلامية، ولكن الهدوء الظاهري على السطح كان يخفي تحته تفاعلا فوارًا مع أفكار سيد قطب ودعوته، وبداية تشكل نواة الحركة الجهادية المعاصرة في مصر".

ويقول: "وضاعف من هذا الغضب عند الشباب المسلم كتابات سيد قطب رحمه الله عن المقابلة بين الإسلام والجاهلية".

ولذلك يقول أبو قتادة الفلسطيني أحد منظِّري تنظيم القاعدة والأفكار الجهادية: "اعترف الدكتور الظواهري في غير موطن أنه نتاج ما كتبه الأستاذ الشهيد سيد قطب".

ويقول أبو مصعب السوري أحد المنظِّرين الذين عملوا في معسكرات تنظيم القاعدة: "بدأت تتكون بوادر الفكر الجهادي بطرح فكر الحاكمية والولاء والبراء والتمايز والمفاصلة، وكان رائد هذه الصحوة بلا منازع الأستاذ المعلم سيد قطب رحمه الله".

كما ألف أبو أحمد عبد الرحمن المصري المكنى بأبي ليث المصري أحد منظِّري الفكر الجهادي كتابا بعنوان (نقاط الارتكاز بين الشهيد سيد قطب والشيخ ابن لادن) قدم له أبو محمد المقدسي، ومما جاء فيه: "جسَّد كتاب (المعالم) وفكر سيد قطب عموما فكر الحاكمية والتمايز والمفاصلة، وبالتالي الحكم بالكفر والردة على أنظمة الحكم القائمة والدعوة الصريحة لجهادها، ورسم معالم طريق هذا الجهاد".

إلى آخر هذه الشهادات التي لا نطيل في سردها، لوضوح الأمر وظهوره.
والمقصود أنَّ اجتثاث الأفكار الإرهابية والتصدي لها يحتاج إلى معرفة تفصيلية بمسبباتها الحقيقية، وبالطرق الوقائية والعلاجية الصحيحة التي تصون المجتمعات منها.

الشبهة الثانية: موقف ابن تيمية من المرأة:
إنَّ المتأمل في الانتقادات الموجهة لابن تيمية بخصوص هذه القضية يجد أنها إما صادرةٌ عن عدم تحريرٍ لمذاهب الفقهاء، أو عدم تحريرٍ لعبارات الشيخ، أو أنها ناتجةٌ عن تحامُلٍ وتقويلٍ للشَّيخ ما لم يقل، بل إنَّ الناظر في اختيارات شيخ الإسلام رحمه الله يجد أنه كان مع المرأة حيث دلَّ عليه الدَّليل يغلِّب مصلحتها وينتصر لها، لدرجة أنه أوذي في بعض هذه المسائل بسبب ذلك بل حُبِس وسُجن.

ونكتفي بضرب مثالين على ذلك منعًا للإطالة:
المثال الأول: رأي ابن تيمية في مسألة حكم أخذ الأب إذن ابنته إذا أراد تزويجها، فنقول:
اختلف الفقهاء في البكر البالغة هل يجوز لأبيها أن يجبرها على الزواج، كما هو مذهب الإمام مالك والشافعي ورواية عن الإمام أحمد رحمهم الله، أم لا بدَّ من إذنها، كما هو مذهب الإمام أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمهما الله، ثم اختلف أصحاب القول الثاني في استئذانها: هل هو على الوجوب أم الاستحباب.

فرجَّح ابن تيمية رحمه الله القول بوجوب إذنها ورضاها، وأنه ليس لأحد أن يجبر المرأة على التزوُّج ممن لا تريد، وأنها إذا كَرِهَت الزواج من شخصٍ ما فإنها لا تُجبر على ذلك، مستدلا على رأيه بالسنة النبوية والشواهد العقلية.

كما قرِّر أيضا أنَّ المرأة إذا رضيت رجلا زوجًا لها وكان كفؤا فإنَّه يجب على وليِّها أن يزوِّجها به، فإن أبى زوَّجها الوليُّ الأبعد، فإن أبى زوَّجها القاضي بغير إذنه.
يقول ابن تيمية: "وأما تزويجها مع كراهتها للنكاح فهذا مخالفٌ للأصول والعقول، واللهُ لم يسوِّغ لوليها أن يُكرِهَهَا على بيعٍ أو إجارةٍ إلا بإذنها، ولا على طعامٍ أو شرابٍ أو لباسٍ لا تريده، فكيف يُكرِهَهَا على مباضعة من تكره مباضعته، ومعاشرة من تكره معاشرته، والله قد جعل بين الزوجين مودة ورحمة، فإذا كان لا يحصل إلا مع بغضها له ونفورها عنه، فأيُّ مودة ورحمة في ذلك؟".

واستدلَّ في موضع آخر على ذلك بأنَّ الأب ليس له أن يتصرف في مال ابنته إذا كانت رشيدةً إلا بإذنها، فكيف بتزويجها بدون رضاها؟

وهكذا أيضا في اليتيمة التي لم تبلغ، رجَّح شيخ الإسلام أنه لا يجوز تزويجها إلا بإذنها خلافا لبعض المذاهب الفقهية، مستدلا على ذلك بالسنة النبوية.

كما اختار شيخ الإسلام أن البنت إذا بلغت تسع سنين فإنه لا يجوز للأب ولا لغيره تزويجها من دون رضاها بكرا كانت أو ثيبا.

وأما البكر الصغيرة التي هي دون التسع فقد انعقد إجماع العلماء على أن للأب دون غيره أن يزوجها إذا رأى في ذلك مصلحة، فليس هذا مما تفرد به شيخ الإسلام أو غيره من العلماء.

وحينئذ نقول: 
إنَّ الناظر في آراء شيخ الإسلام في هذه المسائل يجد أنه غلَّب جانب رضا المرأة وإذنها، مستشهدا في ذلك بالأدلة النقلية والعقلية، ولكن تظهر خطورة الطريقة التي ينتهجها البعض في توجيه سهام القدح في ابن تيمية في مثل هذه المسائل الفقهية بأنها تفتح باب الطعن في أئمة المذاهب كمالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة رحمهم الله.

فماذا يقول أصحاب هذه الطريقة في الإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد الذين أجازوا للأب أن يزوِّج ابنته البكر البالغة من دون إذنها؟! 

والعجب أيضا ممن ينتقد شيخ الإسلام في مسألة جواز تزويج الأب ابنته البكر الصغيرة بدون إذنها عند وجود الحاجة والمصلحة، مع أنها مسألة إجماعية اتفق عليها أهل العلم قاطبةً على اختلاف مذاهبهم الفقهية وقرروها في كتب الإجماع.

وحينئذ تظهر خطورة هذه الطريقة في النقد بأنها تفتح الباب لخرق إجماعات العلماء وإحداث الفوضى في مسائل الدين وأحكامه.

المثال الثاني: مسألة الطلاق بالثلاث بلفظ واحد:
حيث رجَّح ابن تيمية أنه لا يقع إلا طلقة واحدة، كما جاء ذلك عن بعض الصحابة رضي الله عنهم وكثير من الفقهاء، خلافا لما عليه المذاهب الأربعة من كونه يقع ثلاثا. 
وكذلك مسألة الطلاق المعلَّق، كأن يقول: إن فعلتِ كذا فأنتِ طالق، فوقع الشرط، فاختار ابن تيمية أنه لا يقع طلاقا إلا إذا قصد الزُّوج بذلك الطلاق، وأما إذا قصد الحثَّ أو المنع فلا يلزمه إلا كفَّارةُ يمين، خلافا لما عليه المذاهب الأربعة من أنه يقع طلاقا مطلقا.
وكذلك مسألة الحلف بالطلاق، كأن يقول: عليَّ الطلاقُ لأفعلنَّ كذا، فاختار ابن تيمية أنه لا يقع طلاقا إلا إذا قصد به قائلُه الطلاق كالمسألة التي قبلها، خلافا للمذاهب الأربعة.
فهذه ثلاثُ مسائلَ مشهورة في باب الطلاق، غلَّب فيها شيخ الإسلام رحمه الله مصلحة المرأة والأسرة، انطلاقا مما اطَّلع عليه من الأدلة الشرعية، واستنادا إلى أقوال بعض من سبقه من العلماء، وحفظًا لجانب الأسرة وصيانةً لها، مع ما تعرَّض إليه بسبب ذلك من الأذى والسجن.

وقد عوَّل قانون دولة الإمارات في هذه المسائل الثلاث في قانون الأحوال الشخصية على قول ابن تيمية رحمه الله وعَمِلَ به في المادة رقم (103)؛ لاتساقه مع الأدلة، ولما فيه من حفظ المرأة والأسرة.

وقد جاء توضيح ذلك أيضا في المذكرة الإيضاحية لقانون الأحوال الشخصية، ومما جاء فيها تعليقًا على رأي ابن تيمية في مسألة الطلاق المعلَّق: "هو الأقرب إلى مقاصد الشريعة، وهو الملائم لحاجة الناس، والمساعد على تخفيف مآسي الطلاق الناشئة من التسرع فيه وتعليقه وإضافته، وعليه درجت أكثر قوانين الأحوال الشخصية العربية".

فكيف يُنسب ابن تيمية بعد ذلك إلى أنه كان ضدَّ المرأة أو ظالمًا لها؟!!

ومن مظاهر عناية شيخ الإسلام رحمه الله بحقوق المرأة: برُّه بوالدته، ومن صور ذلك رسالتُه إليها عندما كان غائبًا عنها في مصر، يُظهِرُ فيها عظيمَ شوقه إليها، حيث يقول: "من أحمد بن تيمية إلى الوالدة السعيدة، أقرَّ اللهُ عينيها بنعمه، وأسبغ عليها جزيل كرمه"، إلى أن يقول:"لسنا والله مختارين للبعد عنكم، ولو حملتنا الطُّيور لسرنا إليكم".

وأما فيما يتعلق بالصفات الإلهية فإنَّ الشيخ رحمه الله نافَحَ عمَّا أجمع عليه أصحاب القرون الثلاثة المفضلة، وما قرَّره العلماء قبله، وما كان عليه أئمة المذاهب الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم رحمهم الله جميعا، من أنَّ الله تعالى لا يوصف إلا بما وصف به نفسَه، أو وصفه به رسولُه صلى الله عليه وسلم، من الأسماء الحسنى والصفات العليا، من دون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، اتِّباعًا لنصوص الكتاب والسنة، كقول الله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع والبصير}، واستنانًا بما عليه علماء الأمة وأئمتها، كقول الإمام مالك رحمه الله عندما سئل عن قول الله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} كيف استوى؟ فقال: "الاستواءُ معلوم، والكيفُ مجهول، والإيمانُ به واجب، والسؤال عنه بدعة".

وفي ذلك يقول حافظ المغرب العلامة أبو عمر ابن عبد البر المالكي رحمه الله: "أهلُ السنة مجمعون على الإقرار بالصِّفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيِّفون شيئا من ذلك".

ومن الأسباب التي حدت بشيخ الإسلام رحمه الله لتناول هذه المسألة: حرصُه الشديد على جمع الكلمة وتوحيد الصفوف ونزع فتيل الخلافات والنزاعات، فبرزت من أجل ذلك جهودُه الحثيثة في الدعوة إلى اجتماع القلوب في أصول الدين على ما كان عليه العلماء الأوائل، وظهر حرصُه على معالجة الخلافات الشديدة التي وقعت في الأمة في هذا الباب وأورثت فيهم الفرقة والنزاع، وانصبَّ اهتمامه في جوانب وحدوية عديدة من مثل إبراز اتفاق علماء المذاهب الأربعة وغيرهم في أصول الدين في باب الصفات وغيرها، منوِّهًا على أنَّ على المتأخرين الذين وقع بينهم الافتراق والاختلاف أن يحذوا حذو أولئك الأسلاف، وأن يقتدوا بهم في تحقيق الاتفاق والاجتماع، وأن يسدُّوا أبواب الخلاف والنزاع.

ومن النماذج على هذه الجهود الوحدوية في أصول الدين والتي حرص عليها شيخ الإسلام رحمه الله قوله: "إن الله تعالى أمرنا بالجماعة والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف، وربُّنا واحد، ورسولنا واحد، وكتابنا واحد، وديننا واحد، وأصول الدين ليس بين السلف وأئمة الإسلام فيها خلاف، ولا يحلُّ فيها الافتراق، لأن الله تعالى يقول: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} ويقول: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء}، وهذا الباب قد تنازع الناس فيه، ويقول هذا: أنا حنبلي، ويقول هذا: أنا أشعري، وقد أحضرتُ كتب الأشعريِّ وكتب أكابر أصحابه، مثل كتب أبي بكر بن الباقلاني، وأحضرتُ أيضا مَن نَقَلَ مذاهب السلف من المالكية والشافعية والحنبلية وأهل الحديث وشيوخ الصوفية، وأنهم كلهم متفقون على اعتقاد واحد"، واستمر الشيخ رحمه الله في إحضار النقول عن شيوخ أصحاب الإمام أبي حنيفة: مثل محمد بن الحسن والطحاوي وما ذكروه من الصفات وغيرها في أصول الدين، والنقول عن الإمام مالك وأكابر أصحابه مثل ابن أبي زيد والقاضي عبد الوهاب وغيرهما، ليبرهن بذلك على اتفاق هؤلاء جميعا في أصول الدين، وأنهم أسوة حسنة لمن بعدهم في نبذ الفرقة وتحقيق التآلف والاتفاق والاعتصام بحبل الله المتين.

نسأل المولى سبحانه وتعالى أن يجعلنا دعاة وحدة واجتماع، وأن يستخدمنا لخدمة دينه، والذبِّ عن أوليائه وأهل طاعته، أن يوفِّقنا لما فيه رضاه، وأن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، والقول المسدَّد، والإخلاص لوجهه الكريم، وأن يحفظ علينا ديننا وبلادنا وولاة أمرنا ومجتمعنا من كلِّ سوء ومكروه، إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.