دور الخطاب الديني المعتدل في الإصلاح و علاج الفكر المنحرف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد ..

فمن المعلوم قطعاً عند كل مسلم أن الله – سبحانه وتعالى- قد ختم بشريعة الإسلام جميع الشرائع السابقة، وختم برسالة نبينا - صلى الله عليه وسلم – جميع الرسالات فلا نبي ولا رسول بعده.

 ولكون هذه الشريعة هي الخالدة إلى قرب قيام الساعة جعلها الله – سبحانه وتعالى- صالحة ومصلحة لجميع الأفراد والمجتمعات، على مدى الدهور والأعصار، مهما تطاول الزمان وتطورت الحياة وتغيرت.

لذلك جاءت نصوص الشريعة من كتاب وسنة تأمر العباد باتباعها وعدم مخالفتها، ووعدهم ربهم – سبحانه وتعالى- بالسعادة في الدارين، وتوعد من خالفها بالذل والمهانة والشقاء في الدارين، قال تعالى : " فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى"  [طه:123-126] . وبين - صلى الله عليه وسلم – أنّ اتباع هدي الكتاب والسنة سبب لتحقيق الهداية والخروج من الخلاف مهما عظم، فقال: " تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا كِتَابَ اللهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ " رواه مالك والدارقطني.

ولذلك كل من أراد الصلاح والإصلاح، وقمع الفساد والإفساد فلن يجد غير الهدي الرباني كوسيلة لتحقيق هذه الغاية. بل كل وسيلة تعارض الشرع الحكيم فإنها سبب في الفساد والإفساد، وإن رآها بعضهم ذات نفع،  وإلا لما منعها الشرع وحرمها، فالمقصد من التشريع هو الأمر بكل ما فيه صلاح وإصلاح، والنهي والمنع عن كل ما فيه فساد وإفساد.

ومن الإشكالات التي عالجها الشرع الحنيف مشكلة الانحرافات العقدية والفكرية، حيث أخبر الله عن وقوعها،  وطرق الوقاية منها، وحذر من أسبابها، وبين طرق علاجها في حال وقوعها.

والانحراف العقدي والفكري قديم الوقوع منذ عهد نوح عليه الصلاة والسلام، قال سبحانه : " "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ،إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ " [هود:118-119 ] ، بل هو من الابتلاء الذي جعله الله – سبحانه وتعالى- في الأرض، ليمحض الصادقين من الكاذبين، قال سبحانه: "الم ، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ. " [العنكبوت:1-3].

ومن فضل الله على هذه الأمة أن بين لها سبيل الخلاص من هذا الانحراف والاختلاف، عن طريق الخطاب الديني المعتدل المبني على اتباع الوحي، فقال سبحانه : "وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" [آل عمران:101]، والنبي - صلى الله عليه وسلم – بيّن سبيل النجاة من الانحرافات العقدية والفكرية في غير ما حديث، ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم - : " فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِى فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ" رواه أبوداود . 

فذكر النبي - صلى الله عليه وسلم – الداء وهو الافتراق والاختلاف، ثم ذكر الدواء وهو اتباع سنته وهديه، واتباع سنة وهدي الصحابة من بعده وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون، والحذر من البدع والمحدثات. 

فمن أراد النجاة من هذه الاختلافات العقدية والفكرية فلا بد أن يتضمن خطابه وحواره مع المنحرفين هذا المنهج النبوي، فإنه كفيل بحماية العباد وصيانة عقيدتهم وفكرهم، لذلك قال الزهري –رحمه الله- : السنة سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك . 

والصحابة رضوان الله عليهم بادروا إلى استعمال خطاب ديني قائم على تطبيق هذا المنهج الشرعي عند الاختلافات والفتن فنجوا، ومن أعرض عنه هلك .

ومن ذلك ما رواه الدارمي عن عَمْرو بْن يَحْيَى قَالَ: سَمِعْتُ أَبِى يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا نَجْلِسُ عَلَى بَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَبْلَ صَلاَةِ الْغَدَاةِ، فَإِذَا خَرَجَ مَشَيْنَا مَعَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَجَاءَنَا أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ فَقَالَ: أَخَرَجَ إِلَيْكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَعْدُ؟  قُلْنَا: لاَ .فَجَلَسَ مَعَنَا حَتَّى خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ قُمْنَا إِلَيْهِ جَمِيعاً، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ آنِفاً أَمْراً أَنْكَرْتُهُ، وَلَمْ أَرَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ إِلاَّ خَيْراً. 

قَالَ: فَمَا هُوَ؟ 

فَقَالَ: إِنْ عِشْتَ فَسَتَرَاهُ - قَالَ - رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ قَوْماً حِلَقاً جُلُوساً يَنْتَظِرُونَ الصَّلاَةَ، فِي كُلِّ حَلْقَةٍ رَجُلٌ، وَفِى أَيْدِيهِمْ حَصًى فَيَقُولُ: كَبِّرُوا مِائَةً، فَيُكَبِّرُونَ مِائَةً، فَيَقُولُ: هَلِّلُوا مِائَةً، فَيُهَلِّلُونَ مِائَةً، وَيَقُولُ: سَبِّحُوا مِائَةً فَيُسَبِّحُونَ مِائَةً.

 قَالَ : فَمَاذَا قُلْتَ لَهُمْ؟ 

قَالَ: مَا قُلْتُ لَهُمْ شَيْئاً انْتِظَارَ رَأْيِكَ أَوِ انْتِظَارَ أَمْرِكَ. 

قَالَ: أَفَلاَ أَمَرْتَهُمْ أَنْ يَعُدُّوا سَيِّئَاتِهِمْ، وَضَمِنْتَ لَهُمْ أَنْ لاَ يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ. ثُمَّ مَضَى وَمَضَيْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَى حَلْقَةً مِنْ تِلْكَ الْحِلَقِ ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِى أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَ؟

قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَصًى نَعُدُّ بِهِ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّسْبِيحَ. 

قَالَ: فَعُدُّوا سَيِّئَاتِكُمْ فَأَنَا ضَامِنٌ أَنْ لاَ يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ شَيْءٌ، وَيْحَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ مَا أَسْرَعَ هَلَكَتَكُمْ، هَؤُلاَءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُمْ -صلى الله عليه وسلم- مُتَوَافِرُونَ، وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَمْ تَبْلَ وَآنِيَتُهُ لَمْ تُكْسَرْ، وَالَّذِى نَفْسِي فِي يَدِهِ إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِيَ أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ، أَوْ مُفْتَتِحِي بَابِ ضَلاَلَةٍ.

 قَالُوا: وَاللَّهِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا أَرَدْنَا إِلاَّ الْخَيْرَ. 

قَالَ: وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حَدَّثَنَا أَنَّ قَوْماً يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، وَايْمُ اللَّهِ مَا أَدْرِى لَعَلَّ أَكْثَرَهُمْ مِنْكُمْ. 

ثُمَّ تَوَلَّى عَنْهُمْ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ سَلِمَةَ: رَأَيْنَا عَامَّةَ أُولَئِكَ الْحِلَقِ يُطَاعِنُونَا يَوْمَ النَّهْرَوَانِ مَعَ الْخَوَارِجِ. رواه الدرامي .

فتأمل – أخي القارئ الموفق- كيف زين الشيطان للناس الابتداع في أمر دينهم، إذ أظهر لهم البدعة في صورة عبادة يتقربون بها إلى الله، وفي حقيقتها انحراف في الاعتقاد والسلوك.

والصحابة رضوان الله عليهم رجعوا في تقويم هذا الانحراف إلى أهل العلم، لأنهم الأقدر على معرفة الخطأ وتصويبه والطريقة المناسبة لذلك. 

فلما عرض الأمر على الصحابي الجليل العالم عبد الله بن مسعود، خاطبهم وحاورهم  بأسلوب تضمن المنهج النبوي في العلاج، فرد الانحراف العقدي والفكري إلى السنة وأقوال الصحابة، فقال لهم ابن مسعود رضي الله عنه: "هَؤُلاَءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُمْ -صلى الله عليه وسلم -  مُتَوَافِرُونَ وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَمْ تَبْلَ وَآنِيَتُهُ لَمْ تُكْسَرْ، وَالَّذِى نَفْسِى فِي يَدِهِ إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِي أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ، أَوْ مُفْتَتِحِي بَابِ ضَلاَلَةٍ".

ولما ناظر ابن عباس -رضي الله عنهما- الخوارج ليعالج انحرافهم العقدي والفكري استند إلى في خطابه الديني معهم على المنهج النبوي فقال لهم : "جئتكم من عند أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وليس فيكم منهم أحد، ومن عند ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وعليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله"  أخرجه ابن عبد الرزاق في المصنف. 

ثم سار العلماء الربانيون رحمهم الله على ذات المنهج، يعالجون الانحرافات العقدية والفكرية بخطاب ديني معتدل، أساسه كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم – وطريقة الصحابة وهديهم.

 فهذا هو إمام أهل السنة أحمد بن حنبل – رحمه الله- لما وقعت فتنة القول بخلق القرآن، وهي انحراف عقدي خطير، اتبع ذات المنهج في خطابه الديني فكان يقول لهم: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى أقول به. ينظر : سير أعلام النبلاء (11/ 247)

ولكن أهل الأهواء لا يرتضون بهذا المنهج، فكان أحمد بن أبي دؤاد – رأس الفتنة – يقول للإمام أحمد :  أنت لا تقول إلا ما في الكتاب أو السنة ؟ " ، معترضاً على المنهج النبوي الذي سلكه الإمام أحمد -رحمه الله- في خطابه وحواره، فماذا كانت النتيجة ؟

نصر الله الإمام أحمد –رحمه الله- لاتباعه المنهج النبوي السليم في علاج الانحراف العقدي والفكري، وخذل الله رأس الفتنة ورد كيده في نحره .

ومن الأمثلة التي تبين سلامة الخطابالديني المعتدل القائم على المنهج النبوي في علاج الانحرافات العقدية ما ورد في مناظرة شيخ كبير عالم لأبن أبي دؤاد في فتنة خلق القرآن بحضرة المعتصم، إذ قال المعتصم لابن أبي دؤاد: سلْهُ. 

فقال الشيخ: المسألة لي، تأْمُره أن يجيبني، فقال: سل.

فأقبل الشيخ على ابن أبي دؤاد يسأله فقال: أخبرني عن هذا الأمر الذي تدعو الناس إليه، أشيء دعا إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ 

قال: لا! 

قال: فشيء دعا إليه أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - بعده؟

 قال: لا! 

قال: فشيء دعا إليه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بعدهما؟ 

قال: لا! 

قال الشيخ: فشيء دعا إليه عثمان بن عفان بعدهم؟ 

قال: لا! 

قال: فشيء دعا إليه علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بعدهم؟ 

قال: لا! 

قال الشيخ: فشيء لم يدعُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي رضي الله تعالى عنهم تدعو أنت الناس إليه ؟! 

ليس يخلو أن تقول: علِموه أو جهِلوه؛ فإن قلتَ: علِموه وسكتوا عنه، وسِعَنا وإياك ما وَسِع القوم من السكوت، فإن قلتَ: جهِلوه وعلِمتُه أنا، فيا لُكَعُ بن لكع! يجهل النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدون رضي الله تعالى عنهم شيئا وتعْلمه أنت وأصحابك؟! . روى القصة الذهبي في السيرو الآجري في الشريعة وابن بطة في الإبانة.

فهذا الشيخ العالم استعمل في  علاج الانحراف العقدي الخطاب الديني القائم على السنة النبوية وهدي الصحابة – رضوان الله عليهم- فقُطع ابن أبي دؤاد، وكانت النتيجة ما ذكره الذهبي بقوله : " وسقط من عينه –يعني الخليفة- ابن أبي دواد، ولم يمتحن بعدها أحداً . " السير (10/309) ، والأمثلة في هذا الباب يكثر ذكرها. 

فالخطاب الديني المعتدل القائم على النصوص الشرعية، والاستدلال الصحيح، وفهم السلف الصالح هو أفضل طريقة يمكن للأفراد والدول استعمالها لعلاج جميع الانحرافات، عقدية كانت أو فكرية. 

سأستكمل الكلام على دور الخطاب الديني المعتدل في الإصلاح في المقال القادم بإذن الله .

وفقنا الله جميعا لما يحبه ويرضاه

 


 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، أما بعد 

كان الحديث في المقال السابق عن دور الخطاب الديني المعتدل في الإصلاح وعلاج الفكر المنحرف، وبينت أهميته، وذكرت الأمثلة التي أثبت فيها الخطاب الديني جدارته في العلاج. ولكن بقيت استفسارات وإشكالات قد تثار حول إمكانية استعمال الخطاب الديني المعتدل في العلاج، أذكرها وأبين التوجيه الصحيح حولها.

الإشكال الأول: إذا كان للخطاب الديني أثر في الإصلاح وعلاج الفكر المنحرف، فلماذا نرى – في الواقع- ضعف هذا التأثير، وذلك  من خلال وجود الأفكار المنحرفة، والتي قد تصدر ممن يتكلم بالخطاب الديني وينادي به ؟ 

الجواب : الخطاب عموما والديني خصوصا – وحديثنا عنه- يتكون من عناصر وهي : المُخاطِب ، والمُخاطَب ، وفحوى الخطاب ومضمونه، والصيغة التي يؤدى بها هذا الخطاب، والوسيلة المستعملة في تبليغه.

فمن أجل أن يعطي الخطاب الديني ثمرته ونتيجته المتوقعة لا بد أن تتحقق الشروط اللازمة لذلك، وتنتفي الموانع التي تحول دون تحقق هذه النتيجة، فإذا تخلف أثر الخطاب فإنّ ذلك يرجع إلى وجود إشكال في أحد هذه العناصر بتخلف شرط أو وجود مانع، الأمر الذي أدى إلى عدم ظهور نتيجته. فقد يكون فحوى الخطاب الديني غير صحيح، إما من جهة ثبوته كأن يستدل المخاطِب بحديث ضعيف، وإما جهة فساد الاستدلال. وقد يكون لدى المخاطَب – وهو المقصود بالخطاب- من الموانع ما يحول بينه وبين فهم الخطاب الديني، كالهوى والتعصب والتقليد المذموم وعدم الفهم والإدراك أو ضعفه ونحو ذلك. ولبيان ذلك أضرب مثالاً لنبي الله نوح -عليه الصلاة والسلام-، ولاستعماله الخطاب الديني في دعوته لقومه.

فالمخاطِب: هو نوح عليه الصلاة والسلام، والمخاطَب : قومه، وفحوى الخطاب ومضمونه  سليم وثابت لأنه من الله سبحانه وتعالى، لا شك فيه ولا مرية، والصيغة التي يؤدى بها هذا الخطاب أفضل الصيغ لأن الله سبحانه وتعالى اختار نوحاً عليه الصلاة والسلام واصطفاه، مع تنوع الوسيلة المستعملة في تبليغ هذا الخطاب فاستعمل الترغيب والترهيب، والنصيحة العلنية والسرية ، قال تعالى : "إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ، أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ، يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ، قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا . " [نوح:1-4] ، وقال : " ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا " [نوح 8-9]

فما هي النتيجة ؟
قال تعالى : "وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ" [هود:400 ] .

فما هو السبب في عدم إيمان قوم نوح به وتأثرهم بالخطاب الديني ؟
الجواب : السبب يرجع إلى المخاطبين وهم ( قوم نوح ) ، لأنهم رفضوا الاستمرار في الاستماع لخطابه الديني، قال تعالى : " وَإِنِّي كُلَّمَاا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا." [نوح:7 ]، وظهر هذا الاستكبار في احتقارر نوح – عليه الصلاة والسلام- ومن آمن من قومهم معه، كما قال تعالى : "فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ. " [هود:277].

إذاً الخطاب الديني سليم وله أثره لأنه من لدن حكيم خبير بالناس وأحوالهم وما يصلحهم، ولا يمكن الطعن في المخاطِب ولا في فحوى خطابه وصيغته لأنه نبي من أولي العزم اختاره الله واصطفاه، ولكن وجد مانع حال دون وقوع أثره وهو رفض قوم نوح لهذا الخطاب وتكذيبه واحتقار المُخاطِب ومن معه، فلا نلقي باللوم على المخاطِب – نوح عليه السلام- لعدم ظهور نتيجة خطابه الديني المحكم، وإنما يلقى اللوم والخطأ على قومه المخاطبين.

وهذا هو الحال مع بقية الرسل والأنبياء، لدرجة أن بعضهم يأتي يوم القيامة ولم يتبعه أحد، قال - صلى الله عليه وسلم - : " عُرِضَتْ عَلَىَّ الأُمَمُ فَرَأَيْتُ النَّبِي وَمَعَهُ الرَّهْطَ وَالنَّبِي وَمَعَهُ الرَّجُلَ وَالرَّجُلَيْنِ وَالنَّبِي وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ " متفق عليه . 

ولهذا فإن الله – سبحانه وتعالى- جعل مهمة الرسل والدعاة البلاغ ومحاولة الإقناع والإرشاد، وهداية الناس هداية البيان والدلالة والتعليم ، وأما الانقياد للحق واتباعه فهذه مسؤولية المُخاطَبين،  قال تعالى : " قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ." [النور:54 ] ، وقال سبحانه : "لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ"  [البقرة:2722] . 

الإشكال الثاني: الاختلاف في مضمون الخطاب الديني الناتج عن اختلاف الفرق والجماعات التي تدعي استعمال الخطاب الديني، مع  وجود التناقضات فيما بينها، يؤدي إلى عدم الثقة في دوره في عملية الإصلاح وعلاج الانحراف الفكري . 

الجواب : هذا الإشكال مبني على عدم فهم طبيعة الاختلاف الواقع بين البشر عموما، وبين المسلمين خصوصا.

فالله -سبحانه وتعالى – بينّ أن الاختلاف سنة كونية ولا بدّ من وقوعه بين الناس، ابتلاءً واختباراً لهم، ليتبين الصادق من الكاذب، والمتبع من المبتدع، فقال : " وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ." [هود:118-119].
وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم – بوقوع الاختلاف في هذه الأمة في أحاديث كثيرة، وحذر الله – سبحانه وتعالى ورسوله- صلى الله عليه وسلم – من خطابهم الذي يستعمل فيه الدين على غير وجهه الصحيح. 
قال تعالى : " فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ" [آل عمران:7 ] فيتركون المحكمات من الأدلة، ويركنون إلى المتشابه لينصروا انحرافاتهم العقدية والفكرية.
والنبي - صلى الله عليه وسلم – بين ذلك جلياً لما قال لحذيفة : " دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا، فقال حذيفة : صِفْهُمْ لَنَا . قَالَ : هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا ، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا " متفق عليه. فبين - صلى الله عليه وسلم – أن هؤلاء الدعاة الذين انحرفوا عنن  الحق يستعملون الخطاب الديني، ولكن لا لينصروا به الحق، وإنما ليضلوا الناس عنه.

ومن الأمثلة الجلية التي تبين استعمال بعض الفرق المنحرفة للخطاب الديني لنصرة فكرهم المنحرف الخوارج، حيث قال - صلى الله عليه وسلم - : "يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِى يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَيْسَ قِرَاءَتُكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ بِشَيءٍ وَلاَ صَلاَتُكُمْ إِلَى صَلاَتِهِمْ بِشَيءٍ وَلاَ صِيَامُكُمْ إِلَى صِيَامِهِمْ بِشَيءٍ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَحْسِبُونَ أَنَّهُ لَهُمْ وَهُوَ عَلَيْهِمْ لاَ تُجَاوِزُ صَلاَتُهُمْ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ. " رواه مسلم ، وفي رواية عند البخاري: "يَقُولُونَ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ لاَ يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ." فأخبر - صلى الله عليه وسلم – عن الخوارج أنهم يستعملون الخطاب الديني المتضمن للنصوص الشرعية، ولكنه خطاب منحرف، أدى بهم للمروق من الإسلام وأحكامه، لأنهم استدلوا بالنصوص في غير ما وضعت له، وفسروها بأهوائهم.

ومن حرص النبي - صلى الله عليه وسلم – على الأمة أن بين لها الخطاب الديني الواجب الاتباع عند حصول الاختلاف والفتن فقال : " فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِى فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ ".

فالخطاب الديني العاصم من الانحراف العقدي والفكري هو الخطاب الوسطي الصحيح القائم على اتباع هدي النبي - صلى الله عليه وسلم – واقتفاء فهم السلف وعلى رأسهم الصحابة رضوان الله عليهم.  ومن لم يفهم هذا الأمر اشتبه عليه الأمر ورمى الخطاب الديني بالتناقض والفشل.

الإشكال الثالث : الخطاب الديني خطاب قديم له وقته الذي يناسبه، ولكنه لا يَصلح ولا يُصلح وقتنا المعاصر المتطور، والمختلف كليا عن وقت تكوين الخطاب الديني.
والجواب عن ذلك : 

أولا: هذا الإشكال نابع عن جهل بحقيقة هذا الدين وهذه الشريعة التي جعلها الله خاتمة لجميع الشرائع إلى قيام الساعة.

وإذا اعتقدنا بأنها شريعة خاتمة، وأنه لا شريعة بعدها، فيلزم من ذلك صلاحيتها مطلقاً وأبدا، وإلا احتاجت لشريعة أخرى تكملها وتكمل نقصها، وهذا لا يقوله مسلم.

ثانيا: المسلم يعتقد أن الواقع المتطور هو الذي يخضع في أحكامه للشريعة الإسلامية، وليست الشريعة هي التي تخضع وتتغير لتغير الواقع وتطوره، وإن كانت قواعدها تراعي اختلاف الزمان والمكان، وفيها من المرونة ما يسع هذه التغيرات، ولكن توجد أصول وثوابت وقواعد هيي الأساس الذي ينبغي أن تنطلق منه أي حضارة وأي تقدم. وهذه الأصول والثوابت تشتمل على أرقى القيم الأخلاقية، والمبادئ الإنسانية المصلحة لكل زمان ومكان، وتجمع أصول الكمال والتقدم والحضارة.

ثالثا: مما يدلنا على صلاحية الخطاب الديني ومواكبته لأي تطور وتقدم قيام حضارة إسلامية امتدت نحو ثمانية قرون، استفاد منها الغرب – وباعترافهم- في حضارتهم الحالية. فلم يكن الخطاب الديني سبباً في توقف التطور والتقدم، بل نصوص الشريعة الإسلامية تدعو إلى التعلمم والتطور بما يخدم الناس في هذه الحياة، من أجل تحقيق الهدف الأعظم من وجودهم على الأرض وهو تحقيق العبودية لله تعالى . 

رابعا: الخطاب الديني المعتدل يسعى إلى تهذيب التطور الحضاري والتقدم الفكري البشري بما يعود بالخير والسعادة على البشرية جمعاء، وربط العلوم الحياتية بالأخلاق، ولذلك يحرم كل ما فيه ضرر بالإنسان وما يحيط به، لأن الإنسان مؤتمن على نفسه والآخرين والمكان الذي يعيشش فيه. أما الحضارة القائمة على تقديس المادة ولو على حساب الروح وأحكام الدين فإنها تقوم على مبدأ : الغاية تبرر الوسيلة . فلأجل التقدم المزعوم صنعت الأسلحة المدمرة للبشرية، وللحيوان، والأرض، والبحار والمياه، في حين أن الخطاب الديني المعتدل ينص كما في قوله تعالى  : " وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ." [الأعراف:56 ] وقال سبحانه : " وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ،وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ." [البقرة:205-206].
الحضارة التي تغلو في المادة على حساب القيم والأخلاق انتهكت باسم التطور والتقدم آدمية الإنسان واحتياجاته الفطرية، فأصبح الإنسان لديهم حقل تجارب، أما الخطاب الديني المعتدل فيحترم الإنسان لبشريته ودينه، ويصون دمه وماله وعرضه، ليعيش في أمن وسلامة وسعادة.

إذاً الخطاب الديني المعتدل القائم على اتباع النصوص الشرعية، بفهم السلف الصالح من الرعيل الأول من الصحابة والتابعين، والمهتدي باجتهادات العلماء الربانيين، والذي يدعو إلى جلب المصالح وتكثيرها، ودفع المفاسد وتقليلها، ويتضمن خيري الدنيا والآخرة وما يحقق السعادة للعبد فيهما هو الخطاب القادر على الإصلاح وهداية البشرية وإنقاذها من الانحرافات العقدية والفكرية التي تعصف بهم.

 

وفقني الله وإياكم لما يحبه ويرضاه .

Developed and Designed by: HarounSoft

  • Twitter
  • Facebook
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Android App
  • IPhone App