فضائل الحج

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:

اعلم أخي الكريم وفقك الله لكل خير أنَّ الحجَّ ركن عظيم من أركان الإسلام، أوجبه الله تعالى على كل مسلم مستطيع في العمر مرة واحدة، ورتب على أدائه أجراً كبيرا، وثواباً جزيلا، فمن تلك الفضائل:

أولاً: ليس له جزاء إلا الجنة

ما ثبتَ عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال: (الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ)([1])، وفي رواية من حديث جابر - رضي الله عنه - قال: وَمَا بِرُّهُ؟ قَالَ: (طِيبُ الْكَلَامِ، وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ)([2]).

وقد ذكر العلماء أن الحج المبرور هو ما جمع عدة أوصاف: أن يكون خالصاً لله تعالى، وأن يكون بمال حلال، وأن لا يخالطه بإثم ([3]).

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال: (مَا أَهَلَّ مُهِلٌّ قَطُّ إِلَّا بُشِّرَ، وَلَا كَبَّرَ مُكَبِّرٌ قَطُّ إِلَّا بُشِّرَ) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِالْجَنَّةِ؟ قَالَ: (نَعَمْ)([4]).

ثانياً: غفران الذنوب وتكفير السيئات

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم –: (مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)([5]).

والرفث: هو مقدمات الجماع، والفسق: يشمل جميع الذنوب والمعاصي.

وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال: (مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟)([6]).

قال ابن عبد البر رحمه الله: "وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ مَغْفُورٌ لَهُمْ، لِأَنَّهُ لَا يُبَاهِي بِأَهْلِ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبِ إِلَّا مِنْ بَعْدِ التَّوْبَةِ وَالْغُفْرَانِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ"([7]).

وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم –: (تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ، وَالذَّهَبِ، وَالفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلاَّ الجَنَّةُ)([8]).

ثالثاً: من أفضل الأعمال

وعن ماعِزٍ - رضي الله عنه - عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم –  أَنَّه سُئِلَ: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (الْإِيمَانُ بِاللهِ وَحْدَهُ، ثُمَّ الْجِهَادُ، ثُمَّ حَجَّةٌ بَرَّةٌ تَفْضُلُ سَائِرَ الْعَمَلِ كَمَا بَيْنَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِهَا)([9]).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم – يقول: (مَا تَرْفَعُ إِبِلُ الْحَاجِّ رِجْلاً وَلاَ تَضَعُ يَدًا, إِلاَّ كَتَبَ اللهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، أَوْ مَحَى عَنْهُ سَيِّئَةً، أَوْ رَفَعَهُ بِهَا دَرَجَةً) ([10]).

وصح أيضاً من حديث ابن شماسة - رضي الله عنه - أن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - بسط يده لرسول الله - صلى الله عليه وسلم – ثم قبضها لما أراد أن يبايعه، فقال - صلى الله عليه وسلم –: (مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟) قَالَ: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ، قَالَ: (تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟) قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي، قَالَ: (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا؟ وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟)([11]).

والحج نوعٌ من أنواع الجهاد كما وصفه النبي - صلى الله عليه وسلم – بذلك حينما جاءه رجل فقال: إني جبان وإني ضعيف، فقال: (هَلُمَّ إِلَى جِهَادٍ لَا شَوْكَةَ فِيهِ: الْحَجِّ)([12]).

بل صح في الحديث أنه من أفضل الجهاد، كما في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل الأعمال أفلا نجاهد؟ فقال: (لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ)([13]).

وقد ذكر العلماء([14]) أن ذلك يُحمل فيما لو لم يكن الجهاد قائماً، وإلا فقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم – أنه سُئِل أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (إِيمَانٌ بِاللهِ وَحْدَهُ، ثُمَّ الْجِهَادُ، ثُمَّ حَجَّةٌ بَرَّةٌ تَفْضُلُ سَائِرَ الْعَمَلِ كَمَا بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِهَا)([15])، فيكون الحج أفضل من سائر أنواع الجهاد، إلاّ الجهاد الذي وصفه النبي - صلى الله عليه وسلم – (إِلا رَجُلًا خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ)، فيكون هذا الجهاد هو الذي يفضل على الحج خاصة.

أو أن يكون الجهاد في نفسه أفضل من الحج، لكن قد يقترن بالحج ما يصير به أفضل من الجهاد كأن يكون الحج حجّ فرضٍ والجهاد فرض على الكفاية في ذلك الوقت.

ويُحتمل أن يكون خاصا بالنساء والضَّعَفَة كما يُفهم ذلك من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قلتُ يا رسول الله، هل على النساء من جهاد؟ قال: (عَلَيْهِنَّ جِهَاد لَا قتال فِيهِ: الْحَج وَالْعمْرَة)([16]). وأيضاً حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال: (جِهَاد الْكَبِير وَالصَّغِير والضعيف وَالْمَرْأَة: الْحَج وَالْعمْرَة) ([17])، وفي لفظ آخر: (الْحَج جِهَاد كل ضَعِيف) ([18]).

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 

وكتبه: علي سلمان الحمادي
16 من ذي القعدة 1438

 


 


 

([1]) متفق عليه.

([2]) الطبراني في الأوسط.

([3]) شرح النووي على مسلم (9/119)، المقدمات الممهدات (1/401).

([4]) رواه الطبراني في الأوسط.

([5]) رواه البخاري ومسلم

([6]) رواه مسلم.

([7]) التمهيد لابن عبد البر (1/120).

([8]) رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه.

([9]) رواه أحمد والطبراني.

([10]) رواه البيهقي في شعب الإيمان، وابن حبان في صحيحه.

([11]) رواه مسلم.                                                                                       

([12]) رواه سعيد بن منصور في سننه والطبراني في المعجم الكبير.

([13]) رواه البخاري.

([14]) شرح البخاري لابن بطال (4/190)، وفتح الباري لابن رجب (9/13).

([15]) رواه أحمد.

([16]) رواه أحمد وابن ماجه.

([17]) رواه النسائي.

([18]) رواه أحمد وابن ماجه.

 

Developed and Designed by: HarounSoft

  • Twitter
  • Facebook
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Android App
  • IPhone App