العَلمانية لا تمت للإمارات بصلة دينية ولا ثقافية ولا تاريخية ولا تراثية. (قراءات من خلال تقريرات القاضي أحمد المبارك مستشار القائد الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمهما الله)

 الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله الذي اصطفى، وعلى آله وصحبه أولي النهى، أما بعد….

فالإخوانية والعَلمانية منهجان يغذيان أفكار بعضهما، وينموان في مستنقع واحد، فإن منهج الإخوان المسلمين منهج مطاطي، يتسع حتى يدخل فيه من يريد، ولو كان على غير الحق، ويضيق حتى يُخرج منه من لا يريد ولو كان على الحق، فهو منهج أفيح واسع دبّ في كثير من المجتمعات بأسماء براقة، وتغلغل في أوساط كثير من الثقافات بأساليب جذابة، حتى إنه لا تكاد تقع عين عاقل على مثقف إلا وقد استنشق غبار فكر الإخوان المسلمين -إلا من رحم الله-وهذا الذي أراده مؤسس الإخوان حسن البنّا.

والحمد لله الذي كشف عوارهم بعد أحداث ما يسمّى بالربيع العربي، الذي صاح فيه الإخوان بأعلى صوتهم ، ظانّين أنّ الراية لهم، ولم يعلموا أنّ الله إذا أراد كسر بدعة أظهرها، فكشّر عند صراخ رؤوس الإخوان من كان قد استنشق غبار الإخوان النتن، ممن كان يتستر تحت عباءتهم أو تغذى بشيء من أفكارهم، فجاءت تلك الضربة الإماراتية على رؤوس الإخوانية فشقت هام رؤوسهم، وكسرت شوكتهم، وباتت عرى التنظيم الإخواني بالتحلل عروة عروة، فأدرك الإخوان الخطر المحدق بهم، فاستداروا ورجعوا إلى الصفوف الخلفية؛ لترميم الهيكل الإخواني الذي دكّت حصونه دولة الإمارات، وتقدم إلى الصفوف الأمامية الدفاعية دعاة العَلمانية الليبرالية، ذلك الفكر الغربي الذي يريد فصل الدين عن الدولة؛ بل عن الحياة كلها، فأصبح ينادي بالوطنية وحقيقته سلب المواطن وطنيته، ودينه وأخلاقه وعاداته.

            وقد استخدم دعاة هذا الفكر في بدء ظهورهم في دولة الإمارات بعض العبارات الإسلامية؛ لتحقيق معان غربية، محاربة للإسلام السمح بدعوى سماحة الإسلام، وتظاهروا بضرب الإخوان والرد على التطرف حتى يبينوا سلامة منهجهم، وبينهم وبين الإخوان في الحقيقة علاقة حميمة، فالإخوانية بمنهجها الأفيح تضمّ في سراديبها الفكر العلماني، والفكر العلماني يمدّ المنهج الإخواني بأصول مهمة لديهم كالحرية المطلقة في التعبير والمطالبة بالحقوق، وبالديمقراطية التي هي حكم الشعب للشعب، وبالثورة التي نشأ عليها الفكر العلماني، وهو الهدف الذي يسعى الإخوان للوصول إليه.

فلما نجحت الفكرة العلمانية في التضليل العام الإعلامي بأساليبها التي زعمت أنها إسلامية سمحة، حوّلت سلاحها على غير الإخوان، ولم تصوبه إلا على أهل السنة والجماعة، الذين وقفوا وقفة واحدة ضدّ الإخوان، وحثوا على الاجتماع، والمحافظة على الأوطان، فحاربت من وقف ضد أهل التطرف في هذا العصر؛ بل ورمتهم بجرائم الإخوان تارة، وإلصاق منبت الفكر الإخواني بهم تارة أخرى، جهلاً أو معادة للحق، وظلماً للخلق.

وتوقفت عجلة فكرهم عن محاربة أصول شبه الفكر الإخواني وعن الطعن في رموزه وقياداته، وبدؤوا بإثارة المسائل التي تفرق المجتمع، وتزعزع هويته، وتشكك في وطنيته، وقالوها بكل صراحة وأعلنوها بجراءة: نريد الفكر العلماني، فهو في نظرهم ملاذ العقلاء والنور المخرج من ظلمات التطرف !! وكل من وقف ضدّ فكرهم أو ردّ عليهم وضعوه في قائمة الدواعش أو التطرف.

 أي عقل أوصلهم لهذه الهوّة، وأي تأثر جعلهم يتعصبون لهذه الفكرة، وأي فكر جعلهم يرمون من خالفهم بهذه التهمة دون روية؟؟!!!

حالهم كحال من أضاء شمعة في سرداب مظلم، وظن أنه سيجلو بها الظلام ويعيد النور إلى الأنام، في وقت عمّ فيه نور الشمس الأوطان.

 توهموا وأوهموا الناس بثقافة سَمِجة، وحضارة مروج لا حقيقة لها، بنوا في تخيلاتهم قصوراً شاهقة ومنازل عالية، وما هي إلا كالسراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً.

وإني عندما أكتب في الردّ على هذا المذهب الفكري الهدام ، الذي هو في الحقيقة ظلام غربي أراد به حملته طمس نور الإسلام وهيهات هيهات، أكتب ذلك دفاعاً عن ديني وهويتي ولغتي ووطني ، من منطلق الكتاب والسنة، وما ربّانا عليه القائد الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله،  وما قرره مستشاره سماحة الشيخ القاضي أحمد بن عبد العزيز المبارك من تقريرات نفيسة، وردود جليلة على هذه الأفكار العَلمانية الدخيلة ، حيث وصف هذا الداء الخطير الذي يُرام به فصل الدين عن الحياة، ووضع له الدواء الناجع بإذن الله، فجمعت وانتقيت منه ما يكون نبراساً لأهل الإمارات، الذين غُرست في فطرهم سماحة الإسلام وأخلاقه، وتأسست دولتهم على الشريعة الإسلامية، كما جاء في دستور دولة الإمارات المادة (7) ” الإسلام هو الدين الرسمي للاتحاد، والشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع فيه، ولغة الاتحاد الرسمية هي اللغة العربية” وهذه هي الكلمة التي أطلقها القائد الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله ([1])، الذي اعتنى بترسيخ الدين الإسلامي داخل دولة الإمارات وخارجها فقال رحمه الله :”إن دولة الإمارات تبذل كل ما في وسعها لنشر الوعي الإسلامي، وتعميق المفاهيم الإسلامية، سواء داخل حدودها أو خارجها، ولن نبخل بأي جهد في هذا المجال الذي نعتبره من الأهمية بمكان، وإننا حريصون كل الحرص للحفاظ على العقيدة الإسلامية“([2])،  بل صرّح القائد الراحل الشيخ زايد رحمه الله برفض العَلمانية التي تريد فصل الدين عن الدولة؛ حيث سئل رحمه الله عنها فقال :”إذا لم تعتمد الدولة الدّين دستوراً لها، فكيف ينتظر منها البشر النفع والفائدة!؟ إذ أن الدين ليس بعقلية بشر أو مخلوق؛ وإنما هو إرادة الخالق لمن خلق([3]).

  • حال الجاهلية قبل الإسلام:

من المهمّ أن يعرف المسلم حال الجاهلية قبل مجيء الإسلام، حتى يميّز النّور الحقيقي من الظّلام، فيعرف ظلام الجاهلية ونور الإسلام الذي أجلى الله به هذا الظلام كما قال تعالى: {هُوَالَّذِي يُنزلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحديد: 9]

وقال: {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}. [إبراهيم:1]

وقد تطرق القاضي أحمد المبارك رحمه الله لبيان ما كان عليه أهل الجاهلية، وكيف أصبح المسلمون بعد أن تمسكوا بالإسلام فقال:” كان العرب في الجاهلية متفرقين، فتوحدوا بالإسلام، وكانوا أعداء فألف الإسلام بينهم، وكانوا على شفا حفرة من النار فأنقذهم الإسلام، فأصبح العرب بالإسلام وحدة رصينة ودولة عظيمة، وأمّة متماسكة كريمة، وقوة ضاربة، وجدت لها متنفساً بالفتح الإسلامي العظيم، فسارت راياتهم تهدي الدنيا وتحضّر العالم ، وتمدّن الناس ، فامتدت دولة الإسلام من سيبيريا شمالاً إلى فرنسا غرباً , إلى الصين شرقاً إلى المحيط جنوباً، كانوا ضعافاً فأصبحوا بالإسلام أقوياء ، وكانوا أعداء فأصبحوا أخوة ، وكانوا مستعبدين فأصبحوا فاتحين “ ([4]).

نعم هذا حال العرب قبل الإسلام كانوا في جاهلية وشرّ في العبادات والأخلاق والمعاملات، فرفع الله عنهم ذلك بالإسلام الذي بعث به محمداً صلى الله عليه وسلم، فمن أراد من دعاة العلمانية إبعاد دين الإسلام فهو بلا شك يسعى في إعادة ظلمات الجاهلية.

  • الإسلام دين كمال وعدل وإحسان ونهضة:

بعد أن عرف المسلم ما كان عليه أهل الجاهلية من شرّ وفساد، وكيف رفع الله عنه هذا الجهل والشرّ بالإسلام، وجب عليه أن يعرف دين الإسلام ويتمسك به، فإن الله قد كمّله وارتضاه ولن يقبل من العبد ديناً سواه قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة:3]

وقال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران:85].

وقد كان للقاضي أحمد المبارك جهود مباركة في بيان الإسلام وفضله، ووجوب التمسك به، وثمرة ذلك على الفرد والمجتمع ([5])، مع بيان شمولية الدّين الإسلامي لكل زمان ومكان، وأنه صالح لكل مجتمع ووطن إلى قيام الساعة ([6])؛ ولهذا فقد بيّن رحمه الله أن الحضارة تبنى على أصول الإسلام، ولن تبنى حضارة كاملة، مهذبة، جميلة على غير الإسلام، فإن التطور الاقتصادي والعمراني إذا أسّس على خلل اعتقادي وفساد أخلاقي لم يكن إلا حضارة جوفاء، جميلة المظهر بشعة الباطن ([7])، وكان هذا من خلال كثير من كلماته النيرة.

 وقد قرر رحمه الله أنّ الدين الإسلامي عني بالدّين والدّنيا فلم يهمل الجانب الدنيوي، كما أهمله التسلط الكنسي، الذي قامت على إثره الثورة العلمانية فقال رحمه الله:” فقد عني الإسلام بأمور الدّنيا عنايته بأمور الدّين، فالدّين الإسلامي فضلاً عن القواعد التي تنظم المعتقدات والعبادات , تضمن أسمى  ما ينظم علاقات الناس , من قواعد قانونية وخلقية , وفي هذا الصدد لم يقنع بالقواعد التي تنظم صلات الأفراد بين بعضهم ببعض , وإنما تجاوز ذلك إلى وضع الأسس الكاملة التي تقوم عليها الدولة … ولم يقتنع الدّين الإسلامي بذلك بل تضمن أسمى ما يمكن أن تقوم عليه المعاملات بين الدول بعضها ببعض في حالتي السلم والحرب من قواعد تحفظ السلام والمعاهدات الدائمة والمؤقتة”([8]).

         ومن يلاحظ حال العرب قبل الإسلام عرف أنهم لم ينهضوا في أي ميدان من ميادين الحياة حتى أتاهم الإسلام وتمسكوا بالقرآن، فنهضوا وارتقوا في عصور كان الغرب يعيش في وقتها في عصور الظلام، وصدق القائد الراحل الشيخ زايد رحمه الله حين قال:” إن تعاليم ديننا الحنيف، ومعرفة القرآن الكريم هما قاعدة الانطلاق إلى العلوم الباقية؛ لأن القرآن الكريم يعطينا قواعد الكلام، ووضوح المنطق، ويضيء لنا طريق المستقبل“([9]).

        وهذا ما قرره القاضي أحمد المبارك فبين أن البلاد والعباد لا نهوض لهم إلا بالتمسك بالقرآن والسير على طريقة الإسلام فقال:” كانت الأمة العربية قبل الإسلام في جاهلية جهلاء، فهي من الوجهة الفكرية في أحط الدرجات , ومن الوجهة الاجتماعية في أخسّ الحالات , وكانت لا تملك من أسباب النهضة إلا لسانًا قويًا , وفطرة غير معقدة, ولكن ماذا يغني اللسان الخصيب إذا كان في صدر جديب , فجاء الله بالقرآن وفيه كل ما كان الفكر العربي يتطلبه , من العقائد النقيّة والحقائق العلمية , وكل ما كان اللسان العربي يصبو إليه من آفاق وميادين , فنهض العرب به وبلسانهم الذي نزل به، وأنهضوا الأمم معهم، تلك النهضة التي زلزلت العالم الروحي والعقلي , فأذهبت مخاوفه وتثبتت حقائقه , وزلزلت العالم المادّي , فذهبت بطغيانه وشروره ورذائله , وأقرته على التشريع العادل , والمعاملة الرحيمة , ثم لاءمت بين الروح والمادة , وجاءت بالمعجزة الكونية الكبرى في تحقيق الحلم الإنساني , بتلك الملاءمة، وهي أمنية عجزت عن تحقيقها كل تعاليم الأرض “([10]).

            فكان للإسلام الأثر الكبير في التقدّم العلمي بشتى ميادينه، حتى عمّ نفعه الإسلام والمسلمين، بل والبشرية أجمعين، وهذا على خلاف ما يظنّه ويتصوره بعض المتأثرين بالفكر الغربي العَلماني وفي ذلك يقول القاضي أحمد المبارك رحمه الله:” يتصوّر بعض الناس من الذين يجهلون الإسلام وتعاليم الإسلام , ومن المحسوبين على الإسلام , أنّ الدين الإسلامي ليس جديراً بمعالجة ما استحدث في العصور الحديثة من التطورات في كافة مناحي الحياة , كما يتصوّر البعض الآخر ممّن على شاكلتهم أيضاً أن الدين الإسلامي تنحصر دائرة معارفه في الأخلاق والعبادات , ولا تتعدّاها إلى معالجة أمور الدنيا القديمة والحديثة والتقدم العلمي والحضاري في العصر الحاضر , وكذلك الذين يمتهنون طريق الشعوذة؛ لابتزاز الأموال من الناس إن هذه الفئات تردد في تصوراتها نغمة خصوم الإسلام من المستعمرين والمبشرين الذين يقولون: إن الإسلام كان سبباً في تأخر المسلمين , وإن القرآن والعمل به سبب الجمود العلمي للعرب في أيامهم الأخيرة , وهم يعلمون أن قولهم هذا ليس بصحيح؛ ولكن يدفعهم حقدهم الدّفين على الإسلام والمسلمين بُغية تشويهه في نظر الذين لا يفهمونه , غير أن العكس هو الصحيح  وأن تأخر المسلمين في القرون الأخيرة يرجع إلى المسلمين أنفسهم لا إلى دينهم حيث ابتعدوا عنه ، فيوم كانت الدولة الإسلامية تعمل بدستورها (القرآن الكريم)  كانت خير أمّة أخرجت للناس , وحضارة الإسلام التي سطعت شمسها في أحلك العصور على قارتي آسيا وأفريقيا ومعظم أوروبا , وساهمت في تكوين الحضارة الأوربية يوم كانت أوروبا تفتقر لعلومهم وأرسلت أبناءها للتعلم على أيديهم في كافة الميادين ([11]).

        فسيادتنا -يا من تطالب بالعَلمانية-بالإسلام ولن نسود بسواه؛ لأن الإسلام طريق الفضائل والعلم والنهضة والرقي، وهو الذي رفع الجهل عن الأمة وكشف الله به الغمّة وزالت به الظلمة، فلا سيادة إلا به، ومن ابتغى العزّة بغيره فلن يسود ولن يعزّ كما قال عمر رضي الله عنه:” نحن أمة أعزنا الله بالإسلام فمهما نبتغي العزة من غيره نذل“.

وقد أدرك القاضي أحمد المبارك هذه الحقيقة وقررها بقوله رحمه الله:” إننا سدنا بالإسلام عقيدة، وعملاً وتضحية وفداء، ولن نسود بغيره أبداً، مهما نحاول من محاولات، إن الإسلام مفخرة الدنيا ومعجزة العالم ([12]).

  • تأثر بعض المسلمين بالغرب وتشويههم للإسلام:

حين نفتح العالم الإسلامي على الثقافات الغربيّة، وضعف تحصين بعض الأجيال بالعقيدة الإسلامية والأخلاق النبوية؛ دخل الخلل عليهم، وتطرقت إليهم الشبهات والشهوات، وتأثر بعضهم برونق الحضارات الغربيّة، ونسوا ماضياً مجيداً من ديننا وتاريخنا، فساروا خلف زخارف غربية، نهايتها الخلاعة والتمرّد والانحلال عن كل القيم الإنسانية.

وقد ذكر القاضي أحمد المبارك ما آلت إليه أمّة الإسلام حين تركوا التمسك بدينهم من بأس وضراء، وتنازع وتفرق لكلمتهم، حتى تجرأ عليهم الأعداء، فطعنوا في شريعتهم الغراء وشوهوا الحنيفية السمحاء؛ للوصول إلى فكرة فصل الدين عن الدنيا فقال رحمه الله:” وقد وقع كثير من ذلك للمسلمين في هذا العصر، ومنه تعمد أعداء الإسلام الطعن بالباطل في الدين؛ لفتنة العقول والتلبيس على الجهال والعامّة من المسلمين، فقالوا فيما قالوه: إن الدين شيء والدنيا شيء آخر ، يريدون أن يجعلوا منّا رهبانًا في صوامع، وأمواتاً في زوايا وقبور، وأن نحلّ الحرام والخبائث، حتى يفسد ديننا وتفسد أخلاقنا، ويذهب شرفنا وكرامتنا، ويقصدون توهين أمر الدّين في نفوسنا؛ لأنّهم يعلمون مبلغ تأثر المسلم باعتقاده في دينه، ويقولون للمسلمين: إن الأمة لا تتقدم في العصر الحاضر إلا بعد أن تتحرّر من قيود الدين، وتستبيح ما حرمه، وتعيش في ضلال الإلحاد والتحلل والتحرر الذي يسمونه تفكيراً عصريًّا، ورقيًّا اجتماعيًّا، ومدنية وحضارة إلى غير ذلك من المفتريات على الإسلام:{ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا }[الكهف: ٥ ] “([13]).

وقد تسربت هذه الأفكار العَلمانية إلى بعض أهل الإسلام، وأصبح الذي يحارب الإسلام من أهل الإسلام، وهذا ما جعل الفكرة تكون أسرع انتشاراً ورواجاً من أن لو كان مروجها من غيرهم، وقد ردّ القاضي أحمد المبارك على من تسرب إليه هذا الفكر، وروجه إلى أبناء دولتنا فقال رحمه الله:” فقد قرأنا مقالًا تحت عنوان: ( العلاقة بين الدّين والدولة في مفهوم الدولة العصرية ) نشرته جريدة البيان … وبما أن واجبنا الإسلامي يفرض علينا أن نطالع – بعناية – كلّ مقال له صلة بالدّين الإسلامي يصدر في أيّ صحيفة من صحف هذا البلد الإسلامي العزيز ، ونعلق عليه – إذا كان يتطلب التعليق – فإننا درسنا هذا المقال بكامل العناية ، وكانت ملاحظاتنا عليه تتلخص فيما يأتي :-

   إن هذا المقال يجعل الدّين في كفة والسياسة في كفة أخرى ، ويجعل للدولة – في نطاقهما – مفهومين : مفهومًا قديمًا محافظًا ، و مفهومًا عصريًا غير محافظ ، وقامت كاتبة المقال بتحليل مفهوم الدّولة والسّياسة ، كما قامت بتحليل مفهوم الدّين – في نظرها – مستخدمة عبارات لا تليق بجلال الله عز وجل مثل : ( طبيعة الله ) ، ولعلها تعني بها : ( سنة الله ) ، وفي تحليلها لعلاقة الدّين بالدّولة والصراع الذي زعمت أنه بينهما استخدمت عبارة : ( تسلط الدّين على الدّولة  وتسلط الدولة على الدين ) ، وجاءت بمختلف الدّيانات في هذا المجال على وتيرة واحدة ، دون أن يكون للإسلام ميزة خاصة ، بل ذكرت أن السبب في فشل تسلط الدّين على الدولة في المسيحية هو نفس السبب في فشل تسلط الدّين على الدولة في الإسلام فقالت : ( قد يشتط الدّين في مطالبه إلى حدّ يحمل الدولة على مناهضته، والحدّ من نشاطه، فيكون ذلك بمثابة ردّ الفعل بمطالب الدولة … وهذا ما حدث في بعض البلاد الكاثوليكية مثل : المكسيك التي سئمت سلطان الكهنة على حياتها و شؤونها ، وهو ما حدث أيضًا في تركيا ، حيث ضجّ القوم من تغلغل العلماء في شؤون الدّولة ومطالبتهم بحقوق ممتازة) .

  وواضح من هذه الفقرة وغيرها من الفقرات أن الكاتبة تنظر إلى الإسلام مع غيره من الديانات – التي نسخت وحرفت – نظرة متساوية، وتنظر إلى تعاليمه ورجاله نظرة خاطئة، حيث ساوت بين دور علماء الإسلام ودور الكهنة من الناحية السلبية على الدولة، وترى الكاتبة:( أن الدولة ينبغي لها ألا تعضد أي دين تعضيدًا مباشرًا)، هذه هي النظرة العلمانية التي تجعل الدين بمعزل عن الحياة السياسية ،  وبعيدًا عن تسيير شؤون الدولة،  وهي فكرة غريبة سادت المجتمعات الأوروبية ، كردّ فعل منها على الكنيسة التي أفرطت في الرهبانية ، وادّعت بسط يدها فيما عند الله، تبيع الجنّة من تشاء و تهبها من تشاء ، وحاربت المخترعات العلمية وكفرت أهلها ، وكردّ فعل لذلك قامت المجتمعات الغربية بنبذ الدّين وتعاليمه ، وإبعاده عن شؤون الدولة ، بل إن بعض هذه المجتمعات أعلن الحرب ضد الدّين ، ووصفه بأنه مخدّر للشعوب … وإذا كان الغربيون وجدوا في كنيستهم عَقَبَة دون التفكير العلمي والتطور المادي ، ووجدوا فيها تعاليم لا تتناسب حتى مع الدّين المسيحي نفسه ، فإن المسلمين لا عذر لهم في تقليد الغربيين في قوانينهم ودساتيرهم ، وذلك لعدة أسباب ، منها :-

  • أن الدّين الإسلامي جاء مكمّلًا للديانات السماوية، ومهيمنًا عليها، وقد صان الله شريعته السماوية بحفظ القرآن من التبديل والتحريف، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9].

  • أن اليهودية والمسيحية نُسختا بالإسلام، وحُرّف التوراة والإنجيل عن مواضعهما، وظلّ المتمسكون بهما يبدّلونهما حسب أهوائهم ، مثل ما كان أسلافهم يبدلون ويحرفون قبل الإسلام ، قال تعالى : {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} [البقرة :59] ، وقال عز وجل :{ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ }[النساء:46] ، هذا بالنسبة لليهود ، أما النّصارى فإنهم اتخذوا عيسى وأمّه إلهين من دون الله ، ولم يقل عيسى عليه السلام ذلك ، وحاش له منه ، قال تعالى حكاية عنه : {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} [المائدة:117] . وعليه فإنه لا يوجد اليوم كتاب مقدس سلم من التبديل والتحريف إلا القرآن الذي تكفّل الله عز وجل بحفظه من التبديل والتحريف.

  • إن الدين الإسلامي دين شامل وباق، به ختمت الرسالات السماوية، ورسالته تشمل البشرية جمعاء، وموجهة إليها في كل شبر من بقاع الأرض، فلم يجئ لفترة محددة، ولا لجنس معين من البشر؛ بل هو دين شامل وصالح لكل زمان ومكان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

  • أن الدّين الإسلامي لا رهبانية فيه، يدعو إلى العمل للدنيا والآخرة، ويسعى إلى رفع المستوى المادّي، بقدر ما يسعى إلى رفع المستوى الروحي، ففي الوقت الذي يعنى فيه بتنمية الناحية الروحية في الإنسان حتى يسمو إلى مرتبة الصديقين والشهداء والصالحين، فإنه في الوقت نفسه يعنى بالناحية المادية، يدعو الإنسان إلى العمل، ويسخر له جميع المصادر المادية، ويغريه بالتفكير حتى يحسن استغلال تلك المصادر قال تعالى: { اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}[الجاثية:12 -13 ].

    وعليه فإنّه لا مجال لفصل الدّين الإسلامي عن الدّولة، ولا مجال للصّراع بينهما؛ لأنّه لها بمنزلة الرّوح للجسد، وإذا فارقت الرّوح عن الجسد توقفت الحياة.

  وإن الدّولة المثالية التي تنعم بالاطمئنان والحياة الكريمة هي التي تجعل تعاليم الدّين الإسلامي دستورًا لها، لا في المجال القضائي فحسب؛ بل وفي جميع المجالات السياسية والإدارية والعسكرية والاقتصادية …  وعليه فإن ما ذكرت الكاتبة من أنه ينبغي للدولة ألا تعضد أي دين تعضيدًا مباشرًا؛ أمر غير وارد إطلاقًا في الدّين الإسلامي، فتأييد الدّولة الإسلامية لدينها معناه سيرها على منهاجه الواضح، وتشبثها بتعاليمه السامية وشريعته السمحة الغراء.

  وقد ذكرنا أن الدين الإسلامي للدولة بمنزلة الروح للجسد، فتأييدها له إنما هو تأييدها لنفسها، وتخليها عنه يكون بمثابة الانتحار لها، فيجب ألا تسعى لقتل نفسها بنفسها([14]).

             تأمل كيف ردّ القاضي أحمد المبارك على هذه الفكرة الدخيلة، وبيّن أنها فكرة أوروبية نشأت كردّة فعل على طغيان الكنيسة التي حاربت العلم والاختراع, والإسلام لا يحاربه،  وبيّن أصل خلل الكاتبة وهو مساواة دين الإسلام بالأديان الأخرى وعلمائه برجالات الكنيسة ولا يستويان، وبيّن رحمه الله حقيقة النّظرة العلمانية من أنّها لا تريد للدولة أن تعضد ديناً لو كان دين الإسلام، بل تجعل الدين بمعزل عن السياسة، وهي نظرة خاطئة لا عذر للمسلمين في تقليدها والأخذ بها؛ لأن ديننا الإسلامي من عند الله دين كامل، شامل، صالح لكل زمان ومكان، بخلاف الأديان الأخرى التي نسخت وبدّلت وحرفت، مع ما فيها من تشدد ورهبانية، لا وجود لها في الإسلام.

ولا يستغرب المسلم عندما ينادي الغرب بأفكارهم التي ظنوها تنويرية بعد أن كانوا في عصور مظلمة، ولكن العجب ممن عاش في الربوع الإسلامية، وقرأ القرآن، وعرف النبيّ محمداً صلى الله عليه وسلم وسيرته، ودين الإسلام، وينادي بالأفكار الغربية، ما ذلك إلا لأنه كان يعيش في حيرة من أمره، ولم يعرف دين الإسلام على حقيقته، فلمّا سمع بدعاة التنوير ظن أنهم هم المخرج من الظلام الذي كان فيه، ولم يعلم أن نورهم نور بالنسبة لما كانوا عليه من ظلام، أما عند نور الإسلام فنورهم كشمعة أوقدت وسط النهار.

يقول القاضي أحمد المبارك رحمه الله:” ثم خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وفشت فيهم المنكرات فأصبحوا مستعمرين مستعبدين، وأذلاء، غثاء كغثاء السيل، والله لا يغير ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم، أصبح الكثير منّا يستوردون المبادئ من الشرق أو الغرب، وأصبحوا يتعشّقون التراث الأجنبي ويحتقرون تراثهم، ويتدارسون تاريخ أعدائهم، ويتركون تاريخ أسلافهم خلف ظهورهم “([15]).

ولا أعلم كيف عمد العَلمانيون لأفكار لا تناسب فطرنا ولا تاريخنا ولا تراثنا وقد أشار القاضي أحمد المبارك رحمه الله إلى هذا الملحظ الدّقيق وبيّن أن تكويننا لا يتناسب مع هذه الأفكار فقال:” إن تكويننا التاريخي يختلف اختلافًا جذرياً عن تكوين الغرب التاريخي، من حيث الدّين والعادات والتقاليد، والتكوين الخاص لنفسية الأمة، إن مكونات حياتنا الحضارية يوم كنّا متقدمين ويوم أن استسلمنا لعوامل التأخر والانحطاط , تختلف اختلافاً كبيراً عن أسس حضارة المادة “([16])، فهذا الاختلاف الكبير يمنع من تقبل هذه الأفكار الغربية التي لا تمت لنا بصلة تاريخية ولا دينية ولا تراثية البتة، ولا سبب لهذا الانسياق والتأثر إلا الضعف النفسي والتقليد الأعمى للغرب وفي هذا يقول القاضي أحمد المبارك رحمه الله:” إن هذه الخنفسة([17]) التي بدأت جرثومتها تنتشر في بلادنا العربية , ليست موقفاً أصيلًا في بلادنا، ونتاجاً طبيعياً من نتائج تطور مجتمعنا؛ وإنما المسألة في حقيقتها عبارة عن التقليد الأعمى لكل ما يرد إلينا من الغرب، وتبنّيه السريع دون دراسة وافية واعية، وكأن الخنفسة تمثل آخر مظهر من مظاهر التقدم في الغرب !”([18]).

وصدق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين قَالَ: لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ“. قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ “فَمَنْ. [رواه البخاري(3456) ومسلم(2669)].

فهؤلاء العَلمانيون السائرون على أفكار غربية، ما هم إلا مقلدة، سماسرة للغرب، ومعاول هدم للإسلام وأخلاقه وقيمه ومبادئه، وإلا فإنّ في ديننا ثم في تاريخنا وعاداتنا ما يكون قوة لنا في جميع شؤون حياتنا وفيه ما يغنينا عن تلك الأفكار الهابطة وفي هذا يقول القاضي أحمد  المبارك رحمه الله:” تاريخنا لو اعتنى به الأستاذ في مدرسته والعميد في جامعته؛ لصنعت لنا هذه المدارس والجامعات شباباً قوياً في عقيدته , متيناً في خلقه , عظيماً في بطولته , فذاً في استقامته , مفلحاً في قيادته ، شباباً بإمكانه يجمع بين صدق أبي بكر وعدل عمر , ونبل عثمان وبسالة علي , وفروسية خالد وحنكة عمرو , وحلم معاوية وإقدام ابن الزبير رضي الله عنهم , ولما خلقت لنا هذه المشكلة الخطيرة التي نواجهها في كل قطر إسلامي .

 ولكنه الاستعمار الحقود، وسماسرته من المحسوبين علينا، دبّروا في غفلة منّا لطال أمدها خطة اغتيال هذا التاريخ، ونجحوا في إهالة التراب عليه بأيدي رجال ينتسبون إلينا([19]).

            وهؤلاء السماسرة خدّام للاستعمار الفكري قصدوا أو لم يقصدوا، وهم القنوات الموصلة لأفكارهم في بلاد المسلمين يقول القاضي أحمد المبارك:” إن الدعوة التي تبناها المبشرون وعملاء الاستعمار الفكري، وأذنابهم في إبعاد الدّين الإسلامي عن الحياة السياسية والاجتماعية دعوة مريبة , هدفها إبعاد العرب من الناحية المعنوية في حياتهم , فالعرب جسم والإسلام روحه , ولا بقاء للجسم بدون روح , والذين يزعمون أنهم طردوا الاستعمار العسكري، والاستعمار السياسي، والاستعمار الاقتصادي من بلادهم , ثم يعملون ليلاً ونهاراً على ترسيخ الاستعمار الفكري في بلادهم , لم يصنعوا شيئاً أكثر من إخراج الاستعمار من باب ضيق، وإدخاله بمحض إرادتهم من باب فسيح , فما قيمة طرد الاستعمار، ثم نترجم قوانينه ونطبقها حرفياً , فنستبدل الذي  هو أدنى بالذي هو خير , أو نحارب الاستعمار ثم نستورد منه التحلل الخلقي , فنفسد جيلنا الصاعد , ونشيع بينهم الفاحشة والمنكر”([20]).

وإذا كان هذا الفكر المستورد من الغرب المروَّج من العَلمانيين بهذه المثابة المنحطة، فلا ريب أن تكون نتائجه وآثاره على المسلمين وخيمة، تعود إلى خنفسة الأفراد والمجتمعات عن القيم والدين والأخلاق والوطنية، وهذا ما أدركه القاضي أحمد المبارك فقال رحمه الله:” والخنفسة ولا شك، انحراف خطير من تلك الانحرافات التي قادت بعض الشبّان إلى:

  • التمرد على قيم الدين والأخلاق.

  • والتسيب في المسلك العلمي للحياة واللاأبالية في رسم خطط الانقاذ.

  • والإباحية في الجنس.

  • والخروج على قواعد اتزان العقل.

  • والتنكر لمبدأ الترتيب والنظافة والذوق الاجتماعي”([21]).

ولما كانت هذه العَلمانية الغربية لها هذه الآثار السلبية، وما من مجتمع إلا وهو مؤثر أو متأثر على حسب قوته وضعفه، ونظرًا للضّعف الذي دبّ في بعض المجتمعات الإسلامية، فأصبحت تتأثر بكثير من الأفكار الغربية تناول القاضي أحمد المبارك سبب تأثر بعض المسلمين بهذه الأفكار وعدّ من ذلك:

 [السبب الأول] منها: انبهار الكثير منّا بالتقدم العلمي الهائل الذي نتج عن عصر الآلة في الغرب، فظنوا أنّ كل مظهر من مظاهر حياة الناس هناك يتناسق ويتماشى مع ذلك التقدم.

[السبب الثاني] ومنها: استعماره لبلادنا بلاد الإسلام ردحاً طويلاً، بحيث استنبطنا فكرة الشعور بالنقص والضعف العام، وعدم إمكانية قيامنا وتقدمنا، إلا إذا أخذنا بكل مظهر من مظاهر أخلاقهم، حتى ولو كان في ذلك التمرد على أصول ديننا وأحكام شريعتنا، والخروج على القيم الحضارية الأصيلة لأمتنا، حتى لو جرنا ذلك إلى الانحراف معهم في أخطائهم وانحرافات حياتهم، والمأساة التي تنتج من الثغرات الكامنة في مؤسساتهم الاجتماعية.

[السبب الثالث] ومنها: التربية المنحرفة التي خططوا لها في مجتمعاتنا في ظل حرابهم فترة، ورقابتهم فترة أخرى، والتي أدّت إلى تحطيم الثقة بالنفس، وتناسي كل فضل لهذه الأمة وإنكار شخصيتها المستقلة.

[السبب الرابع] ومنها: ما جبل عليه الإنسان غير الموجه من الانحرافات وراء كل دعوة تثير غرائزه وتشبع رغباته الحيوانية ([22])”([23]).

هذه هي المظاهر والآثار من هذه الأفكار العَلمانية وما من داء إلا وله دواء، ولا دواء أنفع لهذه الأفكار المنحرفة مثل الكتاب والسنة بالتمسك بهما عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقاً ، وتربية الأجيال عليهما تربية صحيحة بعيدة عن الغلو والتفريط، وقد وصف القاضي أحمد المبارك علاجاً نافعاً لهذه الأفكار المخنفِسة للشعوب الإسلامية، المخرجة لهم عن القيم والأخلاق السامية فقال رحمه الله:” فإذا أردنا ردّ سهام الأعداء في نحورهم، وإحباط مفترياتهم ومكائدهم فلنستمسك به -أي الإسلام- اعتقادًا وعملًا، ولْنقمه في مجتمعنا كما أقامه سلفنا الصالح ، وفي الحديث المروي(لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها)([24])،ولنحذر فتن أعداء الإسلام ودسائسهم ومفترياتهم ، وليكن القرآن إمامنا وقدوتنا، وسنن الرسول صلى الله عليه وسلم دليلنا وحجتنا ، ولْنطع الله والرسول؛ لنكون مؤمنين حقاً والله تعالى ولي المتقين([25]).

وقد صرح القاضي أحمد المبارك رحمه الله بمحاربة هذه الأفكار وأبان عن الذي ينهض بمجتمعنا إلى الرقي والازدهار، وهو بناء أجيال على الوعي والعقيدة والخير والتخطيط للمستقبل، والاستفادة من التجارب والخبرات, والعمل في شتى الميادين والتخصصات([26]), ومما وضعه كعلاج لهذه ظاهرة التربية الإسلامية الصحيحة حيث قال رحمه الله :” إننا إذا أردنا أن نحارب هذه الظاهرة المنحرفة في مجتمعنا , فلا بد لنا أن نخطط لتربية إسلامية, اجتماعية, رصينة, من أجل التمسك الواعي بقواعد الأخلاق ونزعات الخير في الإنسان, والمحافظة على التوازن الروحي والمادي في تحديد ملامح الحضارة، فعند ذلك ينشأ الجيل([27]) , وهو يحترم عقله , ويعتز بنفسه , ويحافظ على شخصيته , فتكون له قدرة ذاتية على الاختيار الأصيل، الذي يتمسك بالنافع الجيد , وينبذ التافه الرديء، ولا يقتات بفتات الهاربين الحائرين المضطربين اللامنتمين من أهل التخنفس وراء الإباحية والحياة البهيمية”([28]).

فالعلاج الفعلي لهذه الأفكار لا بدّ أن يستمد من كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وسيرة خير القرون من الصحابة والتابعين، ولا بدّ من غرسها في قلوب أجيالنا عبر المناهج التعليمية، والمحاضرات التوعوية، والمجلات الثقافية، والأجهزة الذكية والإعلامية، فينشأ مجتمع متمسك بالكتاب والسنة، يسوده الألفة والمحبة، وينبذ جميع الأخلاق المنحرفة والحزبيات المفرقة؛ إذ إن تمسكه بقيمه الدينية والاجتماعية الرصينة تؤدي به إلى قوة الشخصية والتمسك بدينه وهويته ونبذ الانقياد الأعمى والتبعية لكل ناعق.

فتأملوا أيها العقلاء هذا الفكر العَلماني الذي لا يمت لنا بصلة دينية، ولا تاريخية ولا تراثية، ولا هو من دستورنا، ولا مما يرتضيه ولاة أمرنا، ولا عرفه آباؤنا وأجدادنا، بل هو سبب لضعف ديننا، ومحو تاريخنا، ونزع هويتنا، وإبعاد لغتنا، وتجريدنا من أخلاقنا، ففكر بهذا الانحطاط هل من المعقول أن يمحو الظلام بنوره المستعار ؟!

وهل هو مَن سيردّ على الفكر الإخواني والداعشي، وقد أسس في أوله على الثورات والتمرد ؟!

أو هو من سينشر الأخلاق والفضيلة، وقد نزع ثوب الفضيلة والأخلاق عن جسده ؟!

أفيقوا يا دعاة العَلمانية، واحذروا يا أهل الإمارات من هذه الأفكار والأجندات الغربية.

اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن،

واجعل دولتنا وجميع بلاد المسلمين آمنة من الشرور والفتن.

 

 


([1]) ينظر: الفرائد من أقوال القائد (1/15).

([2]) ينظر:الكلام العجب من حكيم العرب (12).

([3]) الفرائد من أقوال القائد (3/354).

([4]) حديث المنبر(58-59).

([5]) خطب منبرية(73)

([6])حديث المنبر(10-11).

([7])حديث المنبر(20-21).

([8])حديث المنبر(13-16).

([9]) الكلام العجب (13).

([10]) حديث المنبر(5-6)

([11]) حديث المنبر(45-46).

([12]) حديث المنبر(60).

([13]) خطب منبرية (21).

([14]) الفتاوى الفقهية(192-195).

([15]) حديث المنبر(58-59).

([16]) حديث المنبر(219)

([17]) الخنفسة: هي من خنفس عن الأمر إذا عدل عنه، ويقال: خنفس الرجل عن القوم إذا كرههم وعدل عنهم ينظر: لسان العرب (5/170)، والمقصود بالخنفسة: هنا عدول الرجل عن دينه وأخلاقه وعاداته.

([18]) حديث المنبر(220).

([19]) حديث المنبر(61-62).

([20]) حديث المنبر(59-60).

([21]) حديث المنبر(218-219).

([22]) فالعبد غير المحصن بالعلم والعقيدة والأخلاق الإسلامية، سريع التأثر بهذه الانحرافات من شبهات وشهوات.

([23]) حديث المنبر(221).

([24]) لا يصح حديثاً وإنما هو من كلام الإمام مالك رحمه الله.

([25]) خطب منبرية (21).

([26]) حديث المنبر (220).

 ([27]) الجيل الإسلامي.

([28]) حديث المنبر(221-222)

Developed and Designed by: HarounSoft

  • Twitter
  • Facebook
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Android App
  • IPhone App