الإمارات ومثل الجسد الواحد | شبكة بينونة للعلوم الشرعية

الإمارات ومثل الجسد الواحد


نسخة (PDF)نسخة (PDF)
التصنيفات

لمنا جميعاً الاعتداء الغادر الأثيم الذي قامت به ثلة إرهابية مجرمة، ضد الملازم أول طارق محمد الشحي واثنين من أشقائه البحرينيين من رجال الشرطة في مملكة البحرين الشقيقة، أثناء تأدية واجبهم في حفظ الأمن والاستقرار، تغمدهم الله بواسع رحمته وأدخلهم فسيح جناته وتقبلهم في الشهداء الأبرار، ورزق أهلهم الصبر والسلوان.

 

لقد هب المجتمع الإماراتي بقيادته وشعبه لتقديم العزاء لأسرة الفقيد وأبنائه، والتخفيف عن ألمهم ومصابهم والوقوف معهم، وتوافدوا للصلاة على الفقيد وتشييع جنازته ودفنه، في مشهد مشرق تتجلى فيه معاني البيت المتوحد ووحدة النسيج الإماراتي ومعدنه الأصيل. فمن أبرز المعاني والقيم التي رآها القاصي والداني، ذلكم التلاحم الكبير والصادق للمجتمع الإماراتي قيادة وشعباً في هذه الواقعة، والقناعة الراسخة بمبدأ البيت المتوحد والجسد الواحد، سواء على مستوى الكلمات والتصريحات أو على مستوى الأفعال والمواقف العملية، وسواء على مستوى الحكام وأولياء عهودهم أو نوابهم أو الوزراء أو كبار المسؤولين أو أبناء المجتمع.

 

وهذه المواقف الأصيلة ليست غريبة على مجتمع الإمارات، فهي نابعة من دينه الإسلامي الحنيف الذي يدعو إلى الوحدة والاجتماع والمودة والتراحم، امتثالاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: « مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِم وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» أخرجه مسلم. فشبه عليه الصلاة والسلام المؤمنين بالجسد الواحد، تنويهاً على أنهم مشتركون في السراء والضراء وفي الشدة والرخاء، وقال عليه الصلاة والسلام: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» متفق عليه. فالمؤمن يفرح لفرح أخيه ويحزن لحزنه ويحب له الخير ويسعى في تحسين أمره وطلب صلاحه، بل استدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن حب التفرد عن الناس بفعل ديني أو دنيوي من دون محبة ذلك لهم مذموم. وقال عليه الصلاة والسلام: «لا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا» الحديث، أخرجه مسلم، فأقسم عليه الصلاة والسلام بأن الإيمان الكامل لن يتحقق إلا بتحقُّق المحبة والتآلف والتواضع بين المسلمين وإعظام حرماتهم.

 

وقد استدل الإمام مالك رحمه الله بهذا الحديث على أن تحقيق المحبة في المجتمع من الواجبات الشرعية، ولذلك يكثر في القرآن إطلاق النفس وإرادة الأخ، تأكيداً على الوحدة والاجتماع والجسد الواحد، كقوله تعالى: {وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ} أي: إخوانكم، وقوله تعالى: {لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا} أي: بإخوانهم، إلى غير ذلك من الآيات، ولذلك قال بعض العلماء: سلامة الصدور من الغل والحسد والغش والحقد، أفضل من التطوع بأعمال الجوارح.

 

ومن أبرز المعاني والقيم قوة وصلابة المجتمع الإماراتي، وإصراره على المضي قدماً في طريق المحافظة على أمنه وأمن أشقائه، إذ الواقعة الغادرة بشهيدنا لم تزد هذه القضية إلا تعزيزاً وترسيخاً، وهي رسالة لكل من تسول له نفسه الإضرار بأمن الخليج واستقراره. والتصريحات في هذا كثيرة، منها قول سمو الشيخ هزاع بن زايد مستشار الأمن الوطني:

 

"إن الإمارات بقيادتها الحكيمة وشعبها الأصيل ماضية على دروب المجد والعزة والتضحية، في دعم الأشقاء والوقوف إلى جانبهم في التصدي لكافة أشكال الإرهاب، حتى يبقى الخليج العربي عصياً على الأعمال الإجرامية والتخريبية التي تستهدف أمنه واستقراره وسلامة مواطنيه"، وقول سمو الشيخ سيف بن زايد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية: "إن هذا العمل الجبان لن يزيدنا إلا قوة وإصراراً على حفظ أمن الخليج ومواطنيه، وإن شباب الوطن لا يترددون في الوقوف صفّاً واحداً لنصرة قضايانا المصيرية المشتركة، وعون الأشقاء جميعاً".

 

ولا ريب أن هذه الحادثة تؤكد لنا خطورة الأفكار الطائفية والتيارات الحزبية التي تتستر بالدين أو بالخطاب المدني الديمقراطي المزيف، لأنها تقوم على التحريض وإشعال الفتن وتغذية أسباب الفرقة والشقاق والعنف، والإرهاب والتطرف بكل صوره وأشكاله، مما يزيدنا يقيناً بضرورة التصدي لها، سواء على المستوى الفكري أو الأمني أو القانوني.

 

نسأل المولى سبحانه وتعالى أن يحفظ علينا خليجنا من كل سوء، وأن يديم فيه الأمن والاستقرار والوئام، وأن يرد عنه كيد كل كائد.