نعمةُ المرضِ فوائده وأحكامه | شبكة بينونة للعلوم الشرعية

بتوقيت الإمارات

نعمةُ المرضِ فوائده وأحكامه


نسخة (PDF)نسخة (PDF)

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، وبعدُ:

  سنةُ الابتلاءِ:

إنَّ المرضَ وسائرَ المكارِهِ، بل الصحةُ وسائرُ المحابِّ سُنةٌ ربَّانيةٌ للابتلاء والامتحان، فالعبد مبتلى في كل شيء، فيما يسُرُّهُ ويحبه، وفيما يسُوؤُهُ ويكرَهُهُ، قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}[الأنبياء:35].

قال ابن عباس: (نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسَقَمِ، والغِني والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهُدى والضلالة)([1])، فالأمراضُ مِن جُملة ما يَبتلي اللهُ به عبادَهُ، ولها فوائدُ وحِكَمٌ، وذَكَرَ ابنُ القيم أكثر مِن مئةٍ منها في شفاء العليل([2]).

 ومِن حِكَمِ وفوائدِ المرضِ:

1- استخراجُ عبودية الضرَّاءِ، وهي الصبرُ، وعبوديةُ السرَّاء، وهي الشكرُ:

فتتقلَّبُ أحوالُ العبدِ بين المرضِ والصحةِ حتى يتبين صدقُ عبوديته لله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم: (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ)([3]).

2- تكفير الذنوب والسيئات: فالمرض سببٌ في تكفير خطاياك التي اقترفتها بقلبك وسمعك وبصرك ولسانك، وسائر جوارحك.

 

قال ابن عبد البر: (الذنوبُ تكفِّرُها المصائبُ والآلامُ والأمراضُ، وهذا أمر مجتَمَعٌ عليه)([4])، فإن المرض قد يكون عقوبةً على ذنب وقع من العبد.

قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ}[الشورى:30].

وقال صلى الله عليه وسلم: (مَا اخْتَلَجَ عِرْقٌ وَلَا عَيْنٌ إِلَّا بِذَنْبٍ, وَمَا يَدْفَعُ اللَّهُ عَنْهُ أَكْثَرُ)([5]).

وتعجيل العقوبة للمؤمن في الدنيا خيرٌ له: كما قال صلى الله عليه وسلم: (إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ)([6]).

ومن الأحاديث الكثيرة في بيان تكفير الأمراض للذنوب:

قال صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مِنْ مَرَضٍ، فَمَا سِوَاهُ إِلَّا حَطَّ اللهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا)([7]).

وقال صلى الله عليه وسلم: (مَا يَزَالُ البَلاَءُ بِالمُؤْمِنِ وَالمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ)([8]).

 

3- كتابة الحسنات ورفعُ الدرجات: فإذا صبر العبدُ على المرض فإنَّه يُثاب بكتابة الحسنات  له، ورفع الدرجات، وحصول الأجور العظيمة، ففي الحديث الصحيح: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً، فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ)([9]).

وفي الحديث: (لَا يُصِيبُ مُؤْمِنًا نَكْبَةٌ مِنْ شَوْكَةٍ، فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ، إِلَّا حُطَّتْ بِهِ عَنْهُ خَطِيئَةٌ، وَرُفِعَ بِهَا دَرَجَةً)([10]).

4- سببٌ في دخول الجنة: لا تُنال الجنة إلا بما تكرهه النفس، كما في الحديث: (حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ)([11]).

والنبي صلى الله عليه وسلم قال للمرأة التي تُصرَع: (إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الجَنَّةُ)([12]).

وفي الحديث القدسي: (إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ، عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الجَنَّةَ)([13])، فالبلايا والأمراض والأحزان من أسباب دخول الجنة.

5- النجاة من النار: عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَنَّهُ عَادَ مَرِيضًا، وَمَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ وَعْكٍ كَانَ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَبْشِرْ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: هِيَ نَارِي أُسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي الْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا، لِتَكُونَ حَظَّهُ مِنَ النَّارِ، فِي الْآخِرَةِ)([14]).

وعن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً: (الْحُمَّى حَظُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ النَّارِ)([15]).

6- ردُّ العبدِ إلى ربه وتذكيرُهُ بمعصيته، وإيقاظه مِن غفلته: فالمرض والمصائب تردُّ العبدَ الغافلَ عن ربه إليه، وتَكُفُّهُ عن معصيته، لأنه إذا ابتلاه اللهُ بمرضٍ أو غيره استشعر ضعفَهُ وذُلَّهُ وفقره إلى مولاه، وتذكَّر تقصيره في حقه، فعاد إليه نادما، قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ}[الأنعام:42].

قال الطبري رحمه الله: (فامتحنَّاهُم بشدة الفقر والأسقام لعلهم يتضرعون إليَّ، ويُخلصوا لي العبادة)([16]). قال شيخ الإسلام: (مصيبةٌ تُقبِلُ بها على الله، خيرٌ مِن نعمة تنسيك ذكر الله)([17]).

7- تذكيرك بنِعَمِ اللهِ السابقة والحاضرة: فالمرض يُذَكِّرُكَ بكثيرٍ مِن النعم التي تتمتع بها وأنت صحيح، فيكون ذلك التذكير سبباً في زيادة شكرك لربك، وفي هذا أعظمُ المنفعة للعبد.

8- تذكيرك بحال إخوانك المرضى: الذين طالما غَفَلْتَ عنهم في حال الصحة والسلامة، فيدعوك ذلك إلى القيام بحقوقهم، وزيارتهم، وقضاء حوائجهم، والتخفيف عن مصائبهم ومواساتهم، والسعي في أسباب الشفاء لهم، والدعاء لهم بالعافية، إلى غير ذلك.

9- طهارة القلب من الأمراض: كالكِبر والخُيلاء، والعجب، والحسد، وسائر الأمراض القلبية.

قال ابن القيم رحمه الله: (انتفاع القلب والروح بالآلام والأمراض أمرٌ لا يحس به إلا مَن فيه حياة، فصحة القلوب والأرواح موقوفة على الآم الأبدان ومشاقِّها)([18]).

المرضُ نعمةٌ ومنحةٌ:

من خلال ما تقدَّم ذكره من فوائد المرض: يتَّضِحُ لنا أنَّ الأمراض والمصائب نعمةٌ ومنحةٌ مِن الله ورحمة؛ ولكون المرض والبلاء نعمةٌ كان الصالحون يفرحون به كما يفرح الواحد منا بالرخاء.

فقد ذكر صلى الله عليه وسلم ابتلاءَ الأنبياءِ والصالحينَ بالمرضِ وغيره ثم قال: (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيَفْرَحُ بِالْبَلَاءِ، كَمَا يَفْرَحُ أَحَدُكُمْ بِالرَّخَاءِ)([19]).

وقد ذكر ابن القيم رحمه الله ذلك في مدارج السالكين فقال: (ارض عن الله في جميع ما يفعله بك، فإنه ما منعك إلا ليعطيك، ولا ابتلاك إلا ليعافيك، ولا أمرضك إلا ليشفيك، ولا أماتك إلا ليحييك، فإياك أن تفارق الرضى عنه طرفة عين، فتسقط من عينه)([20]).

وقال سفيان الثوري: (ليس بفقيهٍ مَن لم يَعُدّ البلاء نعمة، والرخاء مصيبة)([21]).

البلاء يشتدُّ على المؤمنين بحسب إيمانهم:

قالت عائشة رضي الله عنها: (مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشَدَّ عَلَيْهِ الوَجَعُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)([22]).

بشرى للمريض:

ما كنتَ تعملُهُ مِن الطاعات والقُرُبات، ومنعك المرض من فِعله، فهو مكتوبٌ لك ولو لم تفعله ؟!. عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِذَا مَرِضَ العَبْدُ، أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا)([23]).

وعن أنس رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِذَا ابْتَلَى اللهُ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ بِبَلَاءٍ فِي جَسَدِهِ، قَالَ لِلْمَلَكِ: اكْتُبْ لَهُ صَالِحَ عَمَلِهِ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ، فَإِنْ شَفَاهُ، غَسَلَهُ وَطَهَّرَهُ، وَإِنْ قَبَضَهُ، غَفَرَ لَهُ وَرَحِمَهُ)([24]).

 

الصبر على البلاء والمرض: إن واجبك أخي المريض أن تصبر على هذا البلاء.

قال شيخ الإسلام: (الصبر على المصائب واجبٌ باتفاق أئمة الدين)([25]).

وقال ابن القيم رحمه الله: (الصبر على المصائب واجبٌ بإجماع الأمة، وهو نصف الإيمان، فإن الإيمان نصفان، نصفُ صبرٍ، ونصفُ شكر ثم قال: (والصبر يتحقق بثلاثة أمور: حبس النفس عن الجزع والسخط، وحبس اللسان عن الشكوى للخلق، وحبس الجوارح عن فعل ما ينافي الصبر).

ثم ذكر أن أنواع الصبر (22 نوعاً) منها:

أن الله  عز وجل أثنى على أهل الصبر، وأحبَّ أهلَهُ وأوجب معيته لهم، في ذلك آيات كثيرة.

منها: قوله تعالى: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}[البقرة:177]، وقال تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}[آل عمران:146].

وقال تعالى: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}[الأنفال:46].

قال بعض السلف: (ذهب الصابرون بخير الدنيا والآخرة؛ لأنهم نالوا مِن الله معيته)([26]).

وقال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}[الزمر:10]([27]).

وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الصبر خير ما أُعطيه العبد فقال: (مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ)([28]).

أمَّا أخبارُ وآثارُ السلفِ الصالحِ فكثيرةٌ جداً:

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (وَجَدْنَا خَيْرَ عَيْشِنَا بِالصَّبْرِ)([29]).

وقال علي رضي الله عنه: (الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد)([30]).

 

وقال الحسن رحمه الله: (الصبر كنز من كنوز الخير، لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده)([31]).

أسباب الصبر على المرض:

هناك أسباب وأمور تعين على تحصيل الصبر على المرض، منها:

1- العلم بأن المرض مُقَدَّرٌ مِن عند الله: قال تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا}[التوبة:51].

وقال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ}[التغابن:11].

قال علقمة: (هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويُسلِّم)([32]).

2-  أن تتيقن أن اللهَ أرحمُ بك من نفسِكَ، ومن الناس أجمعين، قال تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}[الأنعام:54].

وقال صلى الله عليه وسلم: (لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا)([33])، فإذا علمت أن الله أرحم بك من نفسك، دعاك هذا إلى الاستسلام لما يقضيه، والصبر على تدبيره.

3- أن تعلم أن حق الله عليك في هذه البلوى هو الصبر، فهو عبودية الضرَّاء.

4- أن تتذكر فوائد المرض وثمراته التي مرت معنا.

5- أن تعلم أن الله أراد بك خيراً في هذا المرض، ففي الحديث: (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ)([34]).

6-  أن تعلم أن الابتلاء بالمرض وغيره علامة على محبة الله للعبد: قال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلاَءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ)([35]).

7-  ومن الأمور التي تعين على الصبر: علمك بأنَّ الجَزَعَ لا يفيدك، وإنما يزيد آلامك ويضاعف عليك المصيبة، ويفوِّتُ عليك الأجر، كما في الحديث السابق: (فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ)([36]).

8-  تَذَكُّرُ الموتِ، وسرعة الانتقال عن هذه الدار: فضيق المرض يُهَوِّنُ عليه ذكر الموت، كذلك يوسع عليه لعلمه بالثواب والأجر، فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ، فَمَا ذَكَرَهُ عَبْدٌ قَطُّ وَهُوَ فِي ضِيقٍ إِلَّا وَسَعَهُ عَلَيْهِ، وَلَا ذَكَرُهُ وَهُوَ فِي سَعَةٍ إِلَّا ضَيِّقَهُ عَلَيْهِ)([37]).

وقال عمر بن عبد العزيز: (إذا كنت من الدنيا فيما يسوؤك، فاذكر الموت يسهل عليك)([38]).

9-  ومن أسباب الصبر على المرض: علمك بأن الدنيا دار ابتلاء وامتحان، وهي محل للأنكاد والأسقام والأحزان، قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}[البلد:4].

 

قال بعض السلف: (يكابد مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة)([39]).

10- التسلي والتأسِّي بالنظر إلى مَن هو أشدُّ منك بلاءً، وأعظم منك مرضاً.

11- أن تنظر إلى ما أبقاه الله عليك من النِعم الأخرى، نعمة الإيمان، والعقل، والسمع والبصر، والنطق، وغيرها.

 

قال بكر المزني رحمه الله: (إن أردت أن تعلم قدر ما أنعم الله عليك فغمِّض عينيك)([40]).

12- ومن أسباب الصبر على المرض: أن تُصَبِّرَ نفسك عليه، كما في الحديث: (وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ)([41]).

13- وأخيراً من الأسباب: انتظار الفرج، فإن في ذلك تهوينا للمرض ومعونة على الصبر عليه.

نصائح للمريض:

1- دَع عنك (لو) فإنها تفتح عمل الشيطان: فإذا مرضت بسببٍ من الأسباب، فلا تَقُل: لو فعلتُ كذا لكان كذا، ولو لم أفعل كذا لم يكن كذا، إلى غير ذلك مما فيه اعتراض على القدر.

2- لا حرج عليك في التداوي، وبذل أسباب الشفاء، والبحث عن الطبيب الماهر: لقوله صلى الله عليه وسلم: (تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً)([42]).

 

 

 

لكن تنبَّه إلى أمرين:

(أ) أن الدواء مجرد سبب للشفاء: والشافي حقيقةً هو الله، فلا يتعلق قلبك بطبيب ما.

(ب) لا تتداوى بمحرم: لحديث: (تَدَاوَوْا، وَلَا تَتَدَاووا بِحَرَامٍ)([43]).

3-  لا تخف من الموت، فإن المرض لا يُقَرِّبُ من الموت ولا يُدنِي منه، كما أنَّ الصحة لا تُباعد منه.

كَمْ مِن صحيحٍ ماتَ مِن غيرِ عِلَّةٍ

 

وكَمْ مِن عَليلٍ عَاشَ حِينَاً مِن الدَهرِ

وكَمْ مِن فَتَى يُمسي ويُصبح آمنـا

 

وقَد نُسِجَتْ أكفَانُهُ وهُو لا يَـدْرِيْ

 

 

 

4-  لا تتمنى الموت، ولا تَدْعُ به إذا اشتد عليك المرض، وازداد عليك الألم.

عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي)([44]).

قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله: (هذا نهيٌ عن تمني الموت للضر الذي ينزل بالعبد مِن مرضٍ أو فقرٍ أو خوفٍ، أو وقوعٍ في شده ومَهلَكَةٍ، فإن في تمني الموت لذلك مفاسد: منها: أنه يؤذِنُ بالتسخُّط، وهو مأمور بالصبر، وأنه يُضعف النفس ويوقع في اليأس، وأنَّ الموت يقطع على العبد الأعمال الصالحة التي هو بصدد فعلها).

5- عليك بالدعاء والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى، فهو الشافي وحده: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ}[النمل:62].

ولا تستعجل الإجابة: لحديث: (يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي)([45])، وعليك بالإلحاح بالدعاء، وكُن على يقينٍ بالإجابة.

وعليك بالرقى الشرعية، فهي من أسباب الشفاء المؤثرة بإذن الله تعالى ومنها :

·    قراءة الفاتحة مع النفث، وقراءة المعوذات ثلاث مرات مع النفث لحديث عائشة في الصحيحين أيضاً.

·    المسح باليد اليمنى وقول: (أَذْهِبِ البَاسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لاَ شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لاَ يُغَادِرُ سَقَمًا)([46]).

 

·    وضع اليد على مكان المرض وقول: (بِسْمِ اللهِ ثَلَاثَاً، وأَعُوذُ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ)([47]).

·    يأخذ الراقي من ريق نفسه على إصبعه، ثم يضعها على التراب، ثم يمسح به على الموضع العليل ويقول: (بِسْمِ اللَّهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، يُشْفَى سَقِيمُنَا، بِإِذْنِ رَبِّنَا)([48]).

6- عليك بالاستغفار والتوبة وذكر الله تعالى دائماً.

7- أحسِن الظنَّ بربك؛ لأن الله لا يظلم أحداً.

8- انتظر الفَرَجَ، واعلم أنَّ الفرج مع الكرب، وأنَّ مع العُسر يُسراً.

9- لا تأت الكُهَّان والعرافين والسحرة، وغيرهم ممن يدعي علم الغيب.

 

قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)([49]).

قال الشيخ ابن باز رحمه الله: (فلا يجوز للمريض أن يذهب إلى الكهنة الذين يدَّعون علم الغيب ليعرف منهم مرضه، كما لا يجوز أن يصدِّقهم فيما يخبرونه به، فإنهم يتكلمون رجماً بالغيب)([50]).

10- لا تأْسَ على ما فاتك مِن حُظوظ الدنيا بسبب المرض، فإن الدنيا بأجمعها لا تستحق الحزن لفقدها.

قال صلى الله عليه وسلم: (لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ)([51]).

 

ثم إن الرزق قد تكفَّل اللهُ به: ففي الحديث: (إِنَّ الرِّزْقَ لَيَطْلُبُ الْعَبْدَ كَمَا يَطْلُبُهُ أَجَلُهُ)([52]).

وقال صلى الله عليه وسلم: (لَا تَسْتَبْطِئُوا الرِّزْقَ، فَإِنَّهُ لَنْ يَمُوتَ الْعَبْدُ حَتَّى يَبْلُغَهُ آخِرُ رِزْقٍ هُوَ لَهُ، فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ)([53]).

11- لا تَشْكُ مَن يَرْحَمُكَ إلى مَن لا يرحمك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: " إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنَ فَلَمْ يَشْكُنِي إِلَى عُوَّادِهِ أَطْلَقْتُهُ مِنْ إِسَارِي، ثُمَّ أَبْدَلْتُهُ لَحْمًا خَيْرًا مِنْ لَحْمِهِ، وَدَمًا خَيْرًا مِنْ دَمِهِ، ثُمَّ يُسْتَأْنِفُ الْعَمَلَ)([54]).

أمَّا إخبار المريض بمرضه: لا على سبيل الشكوى، وإنما إجابةً لسؤالٍ، أو إخبارُ الطبيب، أو مَن يرجو أن يَدُلَّهُ على الدواء، فهذا جائز.

قال ابن القيم: (إذا حَمِدَ المريضُ اللهَ، ثم أخبر بعِلَّتِهِ لم يكن شكوى منه، وإنْ أخبَرَ بها تبرُّمَاً وتسخُّطَاً كان شكوى منه)([55]).

قال ابن حجر: (أمَّا إخبارُ المريضِ صديقَهُ أو طبيبَهُ عن حالِهِ فلا بأس به اتفاقاً)([56]).

12- احفظ وقتك بما ينفعك ويقربك إلى ربك على قدر استطاعتك، وابتعد عن المحرمات كلها.

13- بادر بكتابة وصيتك إذا كان عليك حقوق للناس، أو لك حقوق عندهم، أو ترغبُ في الوصية بشيء مِن مالِكَ.

 

14- تحلَّل ممن له عليك حق: قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ)([57]).

15- وأخيراً: إذا مَنَّ اللهُ عليك بالشفاءِ فاحمَدْهُ واشكُرْهُ، واعلم أنَّ الصحة من أجلِّ النِعم وأعظمها، واغتنم صحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شُغلك، واستعملها في طاعة الله تعالى.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين


 

([1]) تفسير الطبري ( 17/25).

([2]) انظر شفاء العليل (ص 525).

([3]) صحيح مسلم برقم (2999).

([4]) التمهيد لابن عبد البر (23/26).

([5]) المعجم الصغير للطبراني برقم (1053)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5521)

([6]) سنن الترمذي برقم (2396)، وهو في صحيح الجامع برقم (308).

([7]) متفق عليه: رواه البخاري برقم (5648)، ومسلم برقم (2571)، واللفظ له.

([8]) سنن الترمذي برقم (2399).

([9]) صحيح مسلم برقم (2572).

([10]) مسند احمد برقم (25264)، وهو في صحيح الجامع برقم (1660).

([11]) متفق عليه: رواه البخاري برقم (6487)، ومسلم برقم (2822) واللفظ له.

([12]) متفق عليه: رواه البخاري برقم (5652)، ومسلم برقم (2576).

([13]) صحيح البخاري برقم (5653).

([14]) سنن ابن ماجه برقم (3470)، وهو في الصحيحة (557).

([15]) مسند البزار برقم (1821)، وصححه الألباني في الصحيحة (1821).

([16]) تفسير الطبري (7/192).

([17]) تسلية أهل المصائب (ص226).

([18]) شفاء العليل (ص 524).

([19]) سنن ابن ماجة برقم (4024)، وصححه الألباني في الصحيحة برقم (144).

([20]) مدارج السالكين (2/216) وراجعه ففيه كلامٌ نفيس.

([21]) حلية الأولياء (7/55).

([22]) متفق عليه: رواه البخاري برقم (5646)، واللفظ له، ومسلم برقم (2570).

([23]) صحيح البخاري برقم (2996).

([24]) مسند أحمد برقم (13712)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (58).

([25]) تسلية أهل المصائب (ص 173).

([26]) عُدَّةُ الصابرين (ص 134).

([27]) راجع مدارج السالكين (2/152)، وعدة الصابرين لابن القيم(ص 134).

([28]) متفق عليه: رواه البخاري برقم (1469) ومسلم برقم (1053).

([29]) صحيح البخاري (8/ 99).

([30]) تسلية أهل المصائب لابن تيمية (ص 182).

([31]) المرجع السابق (ص182).

([32]) تفسير ابن كثير (8/163).

([33]) متفق عليه: رواه البخاري برقم (5999)، ومسلم برقم (2754).

([34]) صحيح البخاري برقم (5645).

([35]) سنن الترمذي برقم (2396)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (2/286).

([36]) تقدَّم تخريجه.

([37]) صحيح ابن حبان برقم (2993)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم (1211).

([38]) الفرج بعد الشدة لابن أبي الدنيا (ص42).

([39]) تفسير ابن جرير (30/197).

([40]) الشكر لابن أبي الدنيا (ص 157).

([41]) متفق عليه: رواه البخاري برقم (1469)، واللفظ له، ومسلم برقم (1053).

([42]) سنن ابي داود برقم (3855)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (2930).

([43]) المعجم الكبير للطبراني برقم (649)، وحسَّن سنده الألباني في الصحيحة برقم (1633).

([44]) متفق عليه: رواه البخاري برقم (5671) ومسلم برقم (2680).

([45]) متفق عليه: رواه البخاري برقم (6340) واللفظ له، ومسلم برقم (2735).

([46]) متفق عليه: رواه البخاري برقم (5675)، واللفظ له، ومسلم برقم (2191).

([47]) صحيح مسلم برقم (2202)، ومالك وأبو داود.

([48]) متفق عليه: رواه البخاري برقم (5745) ومسلم برقم (2194).

([49]) صحيح مسلم برقم (2230).

([50]) مجموع الفتاوي (3/274)

([51]) سنن الترمذي برقم (2320)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (5292).

([52]) صحيح ابن حبان برقم (3238)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم (1630).

([53]) صحيح ابن حبان برقم (3239)، وهو في صحيح الجامع برقم ( 7323).

([54]) شعب الإيمان للبيهقي برقم (8801)، وهو في صحيح الجامع برقم (4301).

([55]) عُدَّةُ الصابرين (ص107).

([56]) فتح الباري (10/124).

([57]) صحيح البخاري برقم (2449).

 

Share this
  • Twitter
  • Facebook
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Android App
  • IPhone App